بولس ابونا

mjoa Tuesday November 11, 2008 87

 ثمة حالات نظلم فيها الكلمات. نريد منها ان تنطق ما لا تستطيع، وان تحمل ما ليس في وسعها. ولو كانت الحروف تنطق لاستعطفتك. الحروف صامتة، ان لم تنظقها انت. وان ثارت الكلمات على ظلم مشاعرك، قفزت الى عينيك، لنتغلغل في محاجرك، وتخفي عجزها تحت اهدابك. فاذا بها تذوب حرقة، فتسيل قطرات تحاول ان تنتقم من قلبك بان تخدش وجنتبيك، وتسدل على شفتيك مرارة اجاجها. أجل، الدموع، احيانا، كلمات ذابت من عجزها، ملحها لم يصر حبرا. وان روت الورق الذي امامك، فما هي الا عودة الى ما كان عليها ان تكون. الورق المغمس بالدمع غذاء القلوب الكسيرة. تأكله مثلما يتأكلها.

.

 النهاية، لكن، ليست هنا.

 أن الدمع عندنا يغني، والجرح ينشد. الورق الذي ارتوى من الدمع حتى تفتتـ يصير الى ما صارت اليه العظام الرميمة التي تنبأ عليها حزقيال، فقامت، وانتصبت، وطفرت حية.

 عرفته منذ صباي. كان يأتينا واخوة ما زالوا يجاهدون حسن الجهاد، منحهم الله هذه النعمة سنين عديدة، بعد. شرح لنا الكتاب المقدس واعتقادات الكنيسة، ووعظنا. كنت اصغي، وما من مرة شككت في انه كان يعيش ما يقول. وتأكدت بعد ذلك انه لم تكن عنده فجوة بين القول والفعل، النظري والعملي. يذكر ادبنا النسكي والليتورجي الرقي الى مرحلة النظر المغبوط. هذا، لعمري، مقام من امحى عنده الفرق الوجودي بين ما يقال ويفعل، فصار في حياته فعل ما يقول من الروحيات. فيه تصبح الكلمة حياة، ويلتغي الفصام الذي يعتري الكيان البشري بسبب الخطيئة. قامت بيننا علاقة وطيدة. تتلمذت ايضا على يد آخرين عظام في كنيستي. لكنه بقي ابي. هو الذي ولدني في المسيح. كانت جلساتنا تطول. وكنا احيانا نتراسل. ما من مرة شعرت بانه مل، او تعب، او صرف جزءا من همه الى امر آخر، حين كان يخاطبني. كان يفرغ ذاته، ليستوعبني.
 يجعلك تشعر، وانت في حضرته، بانه هو في حضرتك، ايا كنتـ مهما كنت متمرغا في وحل الخطيئة. وهو يعرف خفايا نفسك التي انكشفت له. لم يكن يجعلك تشعر بانك لا شيء، بل كان يحرص على ان تتأكد انك كل شيء له، فانت كل شيء عند الله. بحبه يرفعك من الحضيض الذي انت فيه، ويرجع لك قيمتك كمفدي الله، ولعلك ظننت انك عدت غير جدير بها. عيناه تحتضنانك رأفة وتهدهدانك حنانا. وان ذرفت بعض دموع على عفن نفسك، ذرف هو اكثر، فطهرك بدموعه المصلية، وجعلك تفهم ما قال الرسول: “من يحزن ولا احزن انا؟”.

 ما من مرة تذمر، او انب، او وبخ، لقد احب. وحين كان ينصح معالجا امراض الخطيئة العنيدة، كان يقترح، وحسب، وكثيرا ما اعتذر قبل ان يفوه بالصح. كنت استغرب فيه ذلك. لماذا لا يقسو؟ لماذا لا يفرض بسلطان، هو له؟ لماذا هذه الرقة المبالغ بها، ولا استحقها؟ كان قلبي يضطرم ، ولم اكن افهم. اكان ينبغي ان يغيب، لافهم، كما فهم تلميذا عمواس بعد القيامة؟

 يحدثك بحبّ ووداعة. لا يملي عليك، بل يقرع باب نفسك بخفر. انت تنتظر عاصفة وحزما، فيأتيك نسيم فيه من لطف الله ما لا يرد. على قذارتك، انت محبوبه، لانك حبيب المسيح الذي افتداك. هذا كان رفيقه الدائم. كانه كان ثانية في الجبة. في اي حال، هذا ما جعلني احسه، ولم سمعته يردّد بثقة: معنا هو الله!
 لم أكن أفهم لماذا “يهدر” وقته من اجل امور، كانت تبدو لي انها لا تستحق ذلك القدر من الاهتمام، الذي كان يوليها اياه. كنت اعاتبه وانتقده، بدالة النبوة، مستعملا المنطق المعهود: بهذا القدر الذي تبذله من الوقت والجهد من اجل كذا، يمكنك ان تنصرف الى ما هو اهم. فكان يبتسم ببساطة، ويطفق بوضح لي، بجدية، اهمية ما يشغله، من غير ان يحاول اقناعي بانه مصيب، واني على خطا. الهدف ليس ان تلغي الاخر، بل ان تحفظه، وتقترب منه، فتفرح بشركته. وفيما ننظم نحن مواعيدنا ونلتزم بها، كان التزامه الاول الشخص الذي امامه او الذي يسعى من اجله في حاجة. ليست الاوقات وموازين الامور، كما تبدو لنا ونفعلها عادة، ما كان يحسم امر انشغاله. لا الزمان، بل الانسان كان همه، اليه يسلم نفسه. فالانسان حضور محسوس لله الذي خلقه على صورته ومثاله، واحبه حتى موت الصليب. كل وجه كان لديه ايقونة تبرز تقاسيمها معالم من المجد الالهي. حتى وهو يجالس الخطأة، كان يشعر نفسه في شركة القديسين. فالله عنده في كل شيء وي كان، هو الكل في الكل. الزمن والمواعيد والاوقات التي كانت تحدد له كانت، كلها، تنسحق في الان الذي يحياه ومن هو في حاجة اليه. آن البذل في سبيل المحتاج مثل الان الليتورجية: حاضر لا ينتهي، يستوعب الماضي والمستقبل. قبضة من ابد في الزمن المعدود.

 يستغرقه الآخر الذي يأتيه محتاجا الى مساعدة او متألما. فيفني ما عنده فيه. اهيناه، مرة، ساعة، فكان يطمئننا كلما التقيناه ان ساعتنا “ماشية”. اجل، الساعة “تمشي”. هو الواقف في حضرة الله الذي كان يشعر فيه قادما اليه مع كل من قصده. كان يرى الله  في الكل، فالله كان في عينيه. كان الله نوره.

 اذكر انه ما من مرة حضني على ترك الدراسة من اجل صلاة او نشاط حركي. “افعل هذا، من غير ان تهمل ذلك”. وان تضاربت المواعيد؟ اتبع من يعلمك. هو يبذل وقته وجهده من اجلك. هو يحبك . بادله بطاعتك واجتهادك ومواظبتك على الدرس. كان معلمي يسعى الى اجباري على التقليل من خدمتي الكنسية، لانصرف اكثر الى التحصيل العلمي، وكنت اقاوم بما لي من وسائل. ابي فهم لعبة الحب. رآه سائدا في التعليم. وجعلني ارى الايجابي، لا السلبي، في الامور، واي منها فيه كليهما. كان يتقصى الحسن في كل تصرف. هل كان يرى السوء، يا ترى؟ لم يكن غبيا ليعمى عما هو سيء. لكن السوء في منظاره عابر، ثانوي، لا اهمية له. الشر هو نقص الخير، قال آباؤنا. ليس للشر كيان قائم بذاته، بل هو طفيلي يقوم بانتقاصه من الخير. هذا ما كان يراه هذا الاب ايضا. وان كان الله مالئا حياتك، فانت لا تخشى الشر ولا تعيره اهتماما، اذ لا شيء على الاطلاق يفصلك عن محبة المسيح.

 وتعود اليك الدموع. هي الان دموع الفرح. فانت مررت في حياة هذا الانسان، القامة الروحية. لقد جالسته واكلته وتلقفت من فمه كلمات حياة. تشكر الله على هذه النعمة وتتعزى عن غيابه بالرجاء انك، ان رحمك الله وسيع رحمته، واغض، بمحبته، بصره عن آثامك، لقيت اباك في حضرة الله الابدية. وتحس انك على قوة وعزم ليسا لك دائما. رجاء لقائه يقويك، ويغذي فيك دافعا محسوسا، لتصير بالفعل من مشاركي الملكوت. شوقك الى قرباه كشوقك الى ان تنعم في مجد الله. الشوق يقويك. ومن تشتاق الى قرباه، لم تخذلك محبته يوما، بل كانت تجنحك دومًا.

 اليس كذلك تفعل شفاعة القديسين؟ اليست القوة التي تنبعث من اولئك الذين صاروا في شركة دائمة مع الله تجذبنا اليهم واليه، فنتشدد بها، ونتابع السير؟ السنا نتوكا عيهم في تعبنا، فيسندوننا من فوق، فنضحي مشدودين بسلاسل الحب لمن ترك السماء واحبنا بلا حدود؟ شفاعة القديسين ليست سحرا. هي استجابتهم لشوق ان نصير مثلهم. هذه “السحابة من الشهود”، التي كان ابي يستحضرها في حديثه، مشددا اياي لاركز بصري على رئيس الايمان ومكمله يسوع، لم تكتمل بعد، كما كان يشدد، “لان الله سبق فنظر لنا شيئا افضل: الا يكملوا بدوننا”. ابي كان هذا الرجاء غذاء نفسه، فيشكر الله على كل شيء. والرجاء لا يخيب صاحبه، كما قال سميه العظيم. كان في حياته شاهدا امينا لمن كان نصب عينيه، بلا انقطاع في الايمان. اوليس له الان مكان بينهم؟

 كاتب هذه الكلمات، القزم الذي ولده ذاك العملاق في الروح يرجو أن يشدّه ابوه اليه، وقد خلع التراب وارتدى النور.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share