“المسيح كلمة الله” في كتابات المفسّرين

الأب جورج مسّوح Thursday July 31, 1997 19

﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ 

(آل عِمْرَان، 39)

﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ 

(آل عِمْرَان، 45)

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا 

(النساء، 171)

هذه الآيات القرآنية الثلاث هي الوحيدة التي تتكلّم عن المسيح كونه “كلمة الله” أو “كلمة من الله”. وفي القرآن نجد أنّ المسيح هو الوحيد الذي يُنسب إليه أنّه كلمة الله. سوف نعرض في هذه المقالة أهمّ ما ورد في كتابات كبار المفسّرين المسلمين عن معنى لفظ “كلمة الله”، وكيف فهم هؤلاء الشرّاح قصد القرآن من تسمية الكلمة بالمسيح عيسى ابن مريم. سوف نتعامل إذاً مع النصوص الإسلاميّة فقط لكي نلقي قليلاً من الأضواء على علاقة المسيح ﺑ “كلمة الله” القرآنيّة.

يلخّص تفسير “المنار” ما ورد عن “كلمة الله” في تفاسير القرآن المشهورة قبله بأربعة وجوه هي:

­ الوجه الأوّل: المراد بالكلمة كلمة التكوين لا كلمة الوحي … فكلمة “كن” هي كلمة التكوين.

­ الوجه الثاني: أنَّهُ أُطلِقَ على المسيح للإشارة إلى بشارة الأنبياء به.

­ الوجه الثالث: أنَّهُ أُطلِقَ عليه لفظ الكلمة لمزيد إِيضاحه لكلام الله الذي حرّفه قومه اليهود.

­ الوجه الرابع: أنّ المراد بالكلمة كلمة البشارة لأمّه فقوله بكلمة منه معناه بخبر من عنده أو بشارة1.

أما بالنسبة إلى الوجه الأوّل، وهو الأهمّ في نظرنا، فكلّ التفاسير تجمع على أنّ الكلمة المقصودة هي كلمة “كن” التي بها خلق الله عيسى. يقول الألّوسي في تفسيره: “والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعليه أجلّة المفسّرين وإنّما سُمِّيَ عيسَى عليه السلام بذلك لأنّهُ وُجد بكلمة كن من دون توسّط سبب عاديّ”2. يستند المفسّرون في اجتهاداتهم هذه على الآية القرآنيّة: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ (آل عِمْرَان، 59). فنجد المفسّر الكبير الرازيّ يقول: “فاعلم أنّا فسّرنا الكلمة في قوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ ﴾ والمعنى أنّهُ وُجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾3. ويقول القرطبيّ في الموضوع ذاته: “وسُمِّي عِيسَىٰ كلمة لأنّه كان بكلمة الله تعالى التي هي ﴿ كُنْ ﴾ فكان من غير أب”4. ويردّد الخازن الكلام عينه في تفسيره فيقول: “وإنَّما سُمِّي عِيسَىٰ عليه السلام كلمة لأنّ الله تعالى قال له كن فكان من غير أب دلالة على كمال القدرة فوقع عليه اسم الكلمة لأنّه بها كان”5.

وفي الخطّ عينه يذهب ابن كثير في تفسيره فيقول:”… عن قتادة هو كقوله كن فيكون. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد ابن سنان الواسطيّ قال: سمعت شاذ ابن يحيى يقول في قول الله ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى”6.

نجد عند الشيعة في ما يخصّ تفسير “الكلمة” التأويل ذاته، يقول الطباطبائيّ في تفسيره: “تفسير لمعنى الكلمة، فإنّه كلمة ﴿ كُنْ ﴾ التي أُلقيت إلى مريم البتول، لم يعمل في تكوّنه الأسباب العاديّة كالنكاح والأب، قال تعالى: ﴿ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ (آل عِمْرَان، 47)7. وكذلك الأمر عند الطبرسيّ8.

ما يجب ملاحظته في ما يخصّ هذه النقطة، أي تفسير معنى الكلمة بأنّها كلمة “كُنْ” التكوينيّة، هو أنّ لا شيء يدلّ في هذه الآيات الثلاث الواردة أعلاه على أنّ المسيح قد خُلِقَ بواسطة هذه الكلمة بل أنّه لَمِنَ الواضح أنّ المسيح هو كلمة الله. هذا ما تجاهله المفسّرون الـمُستشهَد بهم، فاستشهدوا بالآية 59 من سورة “آل عمران” والتي تقول: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ لكي يجدوا تفسيرًا يناسب معتقدهم في أنّ المسيح قد وُجد بالكلمة وليس هو الكلمة. هذا ما يؤكّد لنا التناقض الذي وقع فيه هؤلاء المفسّرون حتّى يجدوا لهم حلاً من مواجهة هذه الحقيقة التي يعلنها القرآن بكلّ وضوح، وهي أن المسيح هو كلمة الله.

مع هذا لم يمرّ إطلاق اسم المسيح على “كلمة الله” من دون أن يستوقف بعض المفسّرين حول طبيعة هذه الكلمة. يقول الرازيّ في تفسيره الكبير: “أنّ الإنسان قد يُسمَّى بفضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة الله، وروح الله، واعلم أنّ كلمة الله هو كلامه، وكلامه على قول أهل السنّة صفة قديمة قائمة بذاته، وعلى قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالّة بالوضع على معانٍ مخصوصة، والعلم الضروريّ حاصل بأنّ الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنّها هي ذات عيسى عليه السلام، ولـمّا كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبقَ إلّا التأويل”9.

ملاحظة لا بدّ منها قبل الانتقال إلى مناقشة ما يقوله الرازيّ، فالكلمة، بحسب القرآن، اسمها (أو اسمه) المسيح عيسى ابن مريم وليس اسمه “كلمة الله”، هذا يعني أنّ “كلمة الله” ليست اسمًا علمًا، إنمّا هي موضوع التسمية. وتالياً، لا نستطيع مقارنة “كلمة الله” بأسماء العلم “فضل الله” و “لطف الله” وغيرها. نجد إذاً في ما قاله الرازيّ عن اسم الكلمة تحويراً غير مبرّر وكذلك الأمر عند من قال قوله من المفسّرين (كالطبريّ مثلاً الذي يقول: “بل الكلمة اسم لعيسى سمّاه الله بها كما سمّى سائر خلقه بما شاء من الأسماء”10 وغيره) بحيث إنّهم حوَّروا معنى الآية في مَن هو المعني في التسمية، فالقرآن يطلق على الكلمة اسم المسيح، بينما نجد المفسّرين يطلقون على المسيح اسم الكلمة. هذا بالضبط عكس ما يقوله القرآن بكل وضوح. عندما يطلق القرآن على كلمة الله اسم المسيح عيسى ابن مريم فهذا يعني أن للكلمة كياناً قائمًا وذلك قبل إطلاق تسمية المسيح عليها، لأنّه إذا كان من المفروض إطلاق اسم ما على شيء ما يجب أن يوجد هذا الشيء أوّلاً لكي يُطلَق عليه الاسم وليس العكس. وما تذكير الضمير في ﴿ اسْمُهُ ﴾ مع أنّه، لغةً، يجب تأنيثه لأنّه يعود إلى الكلمة فهذا يدلّ على ذكوريّة هذا الكيان (كلمة الله) قبل أن يُطلق عليه اسم المسيح. الكلمة إذاً، بحسب الآية القرآنيّة (آل عمران، 45)، كيان قائم بذاته سُمِّي في التاريخ المسيح عيسى ابن مريم.

نجد أيضاً في كلام الرازيّ تناقضاً كبيرًا، فإنّهُ بعد أن يقرّ بأنّ كلمة الله هي صفة قديمة قائمة بذات الله، أي بعد أن يقرّ بأزليّتها ينفي أن تكون هذه الكلمة هي ذات عيسى مبرّراً رأيه بقوله: “ولّما كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبقَ إلّا التأويل”. ينطلق الرازيّ إذاً من قناعة مسبقة وهي أنّ عيسى مخلوق وتاليًا يستحيل القول بأنّ الكلمة الإلهيّة هي ذات عيسى، فوقع المفسّر الكبير في التناقض، فهو يعترف بأزليّة الكلمة القائمة بذات الله وعدم أزليّتها في آن وذلك عندما تُسمَّى المسيح عيسى ابن مريم.

يقول الرازيّ أيضاً في تفسيره: “أمّا قوله تعالى ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ﴾ فلفظة ﴿ مِنْ ﴾ ليست للتبعيض ههنا إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزّئًا متبعّضًا متحمّلًا للاجتماع والافتراق وكلّ من كان كذلك فهو مُحدث وتعالى الله عنه، بل المراد من كلمة ﴿ مِنْ ﴾ ههنا ابتداء الغاية وذلك لأنّ في حقّ عيسى عليه السلام لـمّا لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة الله مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهّمه النصارى والحلوليّة”11. في هذا النصّ أيضًا نرى تناقضًا واضحًا، فالكاتب يقول إنّ “كلمة الله”، أثَّرت في تكوين عيسى الذي هو في الوقت ذاته “كلمة الله”، السؤال المطروح بديهيًّا ولا يجيب عليه المفسّر هو: كيف تُكوِّن “كلمةُ الله”، “كلمةَ الله”؟

ننتقل إلى القرن العشرين لنستعرض ما كتبه سيّد قطب أحد كبار المفكّرين المسلمين والذي مات إعداماً العام 1966 في مصر بسبب آرائه الإسلاميّة المتطرّفة وانضمامه إلى جماعة “الإخوان المسلمين”. يقول سيّد قطب في تفسيره”في ظلال القرآن” معلّقاً على الآية (آل عمران، 45): “فالمسيح بدل من الكلمة في العبارة. وهو الكلمة في الحقيقة. فماذا وراء هذا التعبير؟”12. ويجيب قائلاً: “أنّ هذه وأمثَالَها، من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كننها على وجه التحديد … ربّما كانت من الذي عناه الله بقوله:﴿ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ ﴾ (آل عِمْران، 7) … والكلمة هي عيسى، أو هي التي منه كينونته؟ كلّ هذه بحوث لا طائل وراءها إلَّا الشبهات …”13 ويقول أيضًا في مكان آخر مفسّرًا الآية (النساء، 171): “وأقرب تفسير لهذه العبارة، أنّه سبحانه، خلق عيسى بالأمر المباشر، الذي يقول عنه في مواضع شتّى من القرآن ﴿ كُنْ … فَيَكُونُ ﴾. فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب – كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم – والكلمة التي تخلق كلّ شيء من العدم، لا عجب في أن تخلق عيسى عليه السلام في بطن مريم من النفخة التي يعبّر عنها بقوله: ﴿ وروح منه ﴾…”14.

بعد مقارنة نصّي سيّد قطب، يتّضح لنا أنّ الكاتب وقع في تناقض عظيم في ما يخصّ علاقة المسيح بالكلمة الإلهيّة. ففي النصّ الأوّل يعترف قطب بأن المسيح هو الكلمة في الحقيقة، أمّا في النصّ الثاني فيقول إنّ الكلمة التي تخلق كلّ شيء من العدم هي التي خلقت عيسى. فكيف تخلق الكلمةُ نفسَها؟ هذا لا يجيب عليه الأستاذ سيّد قطب. أمّا الشيء الثاني الذي أودّ أن ألفت إليه في هذين النصّين فهو قول سيّد قطب إنّ “كلّ هذه بحوث لا طائل وراءها إلّا الشبهات” مستشهداً بالآية القرآنية القائلة: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ (آل عِمْرَان، 7). على الأغلب أنّ واو العطف في هذه الآية لا تعطف ﴿ إلَّا الله ﴾ و ﴿ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ ﴾ إنّما تعطف الجملتين ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه ﴾ و ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾15. معنى هذا الكلام هو أنَّ إدراك معنى هذه “الكلمة” وطبيعتها إنّما هو سرٌّ لا يعلمه إلَّا الله، وما على الراسخين في العلم إلَّا أن يصدّقُوا ذلك ويؤمنوا به لأنّ الله قال بأنّ ذلك آتٍ من عنده.

ثـمّة قصّة عجيبة ذات أهمّيّة كبيرة ذكرها أغلب المفسّرين، ومنهم الرازيّ الذي يقول في سياق تفسيره للآية (آل عمران، 39): “أنّ المراد من قوله ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنَ الله ﴾ هو عيسى عليه السلام، قال السدي: لَقِيَت أمّ عيسى أمّ يحيى عليهما السلام، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى، فقالت: يا مريم أَشعرتِ أنّي حبلى؟ فقالت مريم: وأنا أيضًا حبلى، فقالت امرأة زكريّا فإنّي وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ الله ﴾، وقال ابن عباس: “إنّ يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستة أشهر، وكان يحيى أوّل من آمن وصدّق بأنّه كلمة الله وروحه”16 وخبَّر الخازن القصّة ذاتها من دون أن يذكر مصدرها17. أمّا الألّوسيّ فينقلها عن “ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عبّاس قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أمّ يحيى تقول لمريم إنيّ أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك”18.

هذه القصّة تذكّرنا بزيارة مريم لأليصابات الواردة في إنجيل لوقا (1: 39-56) حيث نجد أنّ أليصابات هتفت قائلة عند مشاهدتها مريم “من أين لي أن تأتيني أمّ ربّي؟ فما إن وقع صوت سلامك في أذني حتى ارتكض الجنين ابتهاجًا في بطني” (الآيتان 43 و 44). بعد مقارنة النصّين التفسيريّ والإنجيليّ نجد أنّ النصّ الوارد عند المفسّرين يذهب أكثر في الإيحاء إلى ألوهة المسيح كلمة الله، وذلك عندما يتحدّثُ النص الأوّل عن سجود يحيى للمسيح حتّى قبل ولادتهما (وكما يقرّ الجميع، مسلمين ومسيحيين، فإنه لا يليق بالإنسان أن يسجد إلّا لله وحده)، بينما لم يتجاوز النصّ الثاني حدود القول بارتكاض الجنين يوحنّا المعمدان (يحيى الإنجيليّ) فرحًا في بطن أمّه.

ما هي العلاقة بين القرآن الذي هو كلام الله والمسيح “كلمة الله”؟19 نلاحظ أنّ علماء الكلام الأشعريّين، الذين يتّبعون السُنَّة يؤكدون على أزليّة قول الله في القرآن وتاليًا على عدم جواز القول بخلق القرآن. يقول الأشعريّ أبو علم الكلام عند السُنَّة في كتابه “اللُمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع” في معرض ردّه على المعتزلة الذين كانوا يقولون بخلق القرآن ما يلي: “إن قال قائل: لـمَ قلتم إن الله تعالى لم يزَل متكلّمًا، وإنّ كلام الله تعالى غير مخلوق؟ قيل له: قلنا ذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ (النَّحْل، 40).فلو كان القرآن مخلوقاً، لكان الله تعالى قائلًا له “كن”، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولاً له، لأن هذا يوجب قولاً ثانيًا، والقول في القول الثاني وفي تعلّقه يقول ثالث كالقول في القول الأوّل وتعلّقه بقولٍ ثانٍ، وهذا يقتضي ما لا نهاية له من الأقوال، وذلك فاسد. وإذ فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقًا. ولو جاز أن يقول لقوله، لجاز أن يريد إرادته، وذلك فاسد عندنا وعندهم وإذا بطل هذا استحال أن يكون مخلوقًا”20.

يؤمن السُنَّة إذاً بأنّ القرآن غير مخلوق لأنّه قول الله وقول الله لا يمكن أن يكون مخلوُقًا بل إنَّه غير مخلوق. إنّ الأشعريّ لم يستعمل في ما قاله لفظ “كلمة” بل لفظ “قول”، لكنّ القول والكلمة مترادفان، وما يصحّ قوله في “القول” يجب بداهةً أن يصحّ في “الكلمة”. هذا في المطلق، أمّا في الواقع فالأمر يختلف والتناقض يسيطر على كتابات المفسّرين وعلماء الكلام. فقول الله غير مخلوق عندما يدور الكلام حول القرآن، وكلمة الله (التي هي قوله أيضًا) مخلوقة عندما تُسمَّى المسيح عيسى ابن مريم. كيف يكون قول الله غير مخلوق ومخلوقًا في آن؟ لا جواب.

قلنا إنّ الكلمة والقول مترادفان، هذا صحيح لغويًّا21،إنّما هو صحيح أيضًا في التفسير. فالرازيّ يقول في تفسيره للآية ﴿ ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾22 (مريم، 34) إنّ ﴿ قَوْلَ الْحَقِّ ﴾ فيه وجوه، إحداها: وهو أنّ نفس عيسى عليه السلام هو قول الحقّ وذاك لأنّ الحقّ هو اسم الله فلا فرق بين أن نقول عيسى كلمة الله وبين أن نقول عيسى قول الحق”23.أمّا الطبرسيّ فيقول: ﴿ قَوْلَ الْحَقِّ ﴾ الرفع فيه على أنّ قوله ذلك عيسى ابن مريم كلام، والمبتدأ المضمر ما دلّ عليه هذا الكلام، أي هذا الكلام قول الحقّ، ويجوز أن يضمر هو ويجعله كناية عن عيسى (ع) أي هو قول الحقّ، لأنّه قد قيل فيه روح الله وكلمته والكلمة قول”24. وينقل القرطبيّ عن الكسائي أنّه قال: ﴿ قَوْلَ الْحَقِّ ﴾ نعت لعيسى، أي ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ. وسمّي قول الحقّ كما سمِّي كلمة الله، والحقّ هو الله عزّ وجلّ”25.

في النهاية لا بدّ من كلمة حقّ تقال وهي أنّ أغلب المفسّرين عند تطرّقهم لموضوع “المسيح كلمة الله” يقعون في تناقض عقائديّ واضح. تراهم يؤكّدون الشيء ونقيضه، فالمسيح هو بالحقيقة كلمة الله وفي الوقت عينه هو مخلوق بواسطة كلمة الله التي تخلق كلّ شيء من العدم، والمسيح هو كلمة الله التي هي صفة قديمة بذات الله وفي الوقت عينه هو مُكوَّن بواسطة هذه الكلمة. كيف ذلك؟ لا جوابَ شافيًا ولا تحليلَ منطقيًّا يقنعك.

—————

(1)      المنار، 3، 304. سوف نشير في الحواشي اللاحقة إلى ذكر اسم المؤلّف ورقمَي الجزء والصفحة، فالرجاء الاطّلاع على لائحة المراجع الواردة في نهاية المقالة ليتسنّى للقارئ متابعة الإستشهادات.

(2)      الألّوسيّ، 3، 130.

(3)      الرازيّ، 11، 117.

(4)      القرطبيّ، 4، 76.

(5)      الخازن، 1، 226.

(6)      إبن كثير، 2، 459.

(7)      الطباطبائيّ، 5، 151.

(8)      أنظر الطبرسيّ، 3، 81.

(9)      الرازيّ، 8، 39.

(10)    الطبريّ، 6، 411.

(11)    الرازيّ، 8، 54.

(12)    قطب، 1، 397.

(13)    المرجع السابق.

(14)    المرجع السابق، 2، 817.

(15)    الرازيّ، 7، 190.

(16)    المرجع السابق، 8، 39.

(17)    الخازن، 1، 226.

(18)    الألّوسيّ، 3، 130.

(19)    نلاحظ أنّ أغلب الناس من رجال دين وسياسيّين وأساتذة جامعة وشعراء – وحتّى مغنّين – عندما يريدون التحدّث عن الوحدة الوطنيّة وعن التعايش والحبّ … نراهم يقارنون الإنجيل والقرآن أو بين المسيح ومحمّد، وعلى أساس أنّ الإنجيل والقرآن هما كتابان، بينما المسيح ومحمّد هما ناقلا هذين الكتابين. لا شكّ أنّ هذه المقارنة خاطئة منهجيًّا، ذلك أنَّ ما يمثّله القرآن في الإسلام – على الأقلّ الإسلام السنّي – هو بالضبط ما يمثّله المسيح في المسيحيّة، فالقرآن في الإسلام كلام الله غير المخلوق، وفي المسيحيّة المسيح هو كلمة الله غير المخلوق؛ أمّا ما يمثّله “النبي محمّد” في الإسلام فيوازي ما يمثّله الإنجيل في المسيحيّة، ذلك أنّ محمّدًا في الإسلام هو ناقل كلمة الله إلى العالم، بينما الإنجيل في المسيحيّة هو ناقل المسيح كلمة الله إلى العالم. لذلك إذا كانت ثمّة مقارنة ما، فالأجدر أن تكون بين المسيح والقرآن أو بين الإنجيل ومحمّد، من هنا يأتي قول المطران جورج خضر: “المسيح قرآننا”.

(20)    أنظر: البير نصري نادر، أهمّ الفرق الإسلاميّة السياسيّة والكلاميّة، منشورات المطبعة الكاثوليكيّة، بيروت، ص. 111-112.

(21)    أنظر: تاج العروس ولسان العرب المحيط لابن منظور، لفظ “قول”.

(22)    يجمع المفسّرون على القول إنّ لفظ ﴿ قَوْلَ ﴾ الوارد في الآية (مريم، 34) تجوز قراءته مرفوعًا أو منصوبًا.

(23)    الرازيّ، 21، 218.

(24)    الطبرسيّ، 13، 34.

(25)    القرطبيّ 11، 105.

المراجع:

  • الطبريّ: “جامع البيان عن تأويل القرآن”، دار المعارف بمصر.
  • الطبرسيّ: “مجمع البيان في تفسير القرآن”، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1961.
  • الرازيّ: “التفسير الكبير”، دار الفكر، بيروت، 1410 ه. / 1990 م.
  • القرطبيّ: “الجامع لأحكام القرآن”، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1407 ه. / 1987 م.
  • الخازن: “لباب التأويل في معاني التنزيل”، المطبعة المصريّة، 1304 ه.
  • ابن كثير: “تفسير القرآن العظيم”، دار الفكر، بيروت، 1400 ه. / 1980 م.
  • الألّوسيّ: “روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني”، إدارة الطباعة المنيريّة في مصر، 1345 ه.
  • “تفسير المنار”، الطبعة الثانية، مصر، 1350 ه.
  • سيّد قطب: “في ظلال القرآن”، دار الشروق، بيروت، 1982 م.
  • الطباطبائيّ: “الميزان في تفسير القرآن”، مؤسسة الأعلميّ للمطبوعات، بيروت، 1411 ه. / 1991 م.

 

 

مجلة النور، العدد الخامس1997، ص 266-272

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share