رسالة الآلام

ألبير لحام Wednesday April 7, 1948 12

بقلم الأستاذ ألبير لحّام

ها نحن داخلون في آلام الرب لنحمل صليب المجد بفرح.

اليوم يدعو يسوع شعبه الأرثوذكسي إلى جبل الزيتون السرّي، إلى الكنيسة، ليسهر ويصلّي معه ليلة آلامه، فيلبّي المسيحيون بكثرة نداء المسيح…

واليوم، مثله من منذ ألفيّ سنة، يلتهي بعض التلاميذ بجمال بستان الزيتون، ويتغلّب النوم على البعض الآخر، بينما يبقى يسوع وحيداً ونفسه كئيبة حتى الموت، يتألم ويجاهد من أجل الغائبين والنائمين…

هل أنت متيقّن أيـها المسيحي أنك لم تكن الآن من أولئك الغائبين والنائمين بالروح الذين يزيدون آلام المسيح مرارة؟

فإذا كنتَ يا أخي قد أتيتَ الى الجثمانية السرية لشغفك فحسب ببعض التراتيل الرائعة، لكان أجدر بك ألا تأتي إليها مطلقاً لأنك تفتش عن الطرب واللّذة في حين أن دم مسيحك الإلهي يتساقط على أرضها قطرات ثمينة ممتزجة بأعراق جبينه لفداء هفواتك…

وإذا كنتَ دخلتَ كنيسة الآلام بدافع العادة التقليدية فحسب، لكان أجدر بك ألا تدخل إليها مطلقاً لأن روحك يظل نائماً وأفكارك غارقة في عوالم غريبة بينما تمزّق الأسواط جسد مسيحك الإلهي تمزيقاً ويسخر به أسفل الناس وأحقرهم…

إن الرب يسوع يا أخي يتألم أبداً في التاريخ حتى نـهاية العالم والمأساة التي دارت منذ ألفَيّ سنة تعيد ذاتـها أمامنا على مدى العصور، لأن الإنسانية الخاطئة العمياء تسعى أبداً لقتل يسوع ثانية…

والأرثوذكسية، أمنا الحنون، لم تضع ترتيب الخدم الدينية في هذا الأسبوع إلا لتُحيي أمامنا بصورة سرّية لكنها واقعية تلك الآلام الدامية فتحرّك شعورنا وترفع عقولنا وتدفعنا بكليتنا على قدمي المصلوب لأجل خطايانا.

فهي تدعونا أولاً لنكون مستيقظين منتظرين الختن الإلهي، وتطلب إلينا إبـهاج حلّة نفوسنا لملاقاته على طريق الجلجلة وللدخول معه إلى خدر الآلام. ثم تعرض لنا في طقوسها الرائعة والقوية التصوير حوادث هذه الآلام بقراءة الأناجيل فتصل بنا إلى ذروة الصليب، وإذ بالموكب الرهيب يسير أمام أعيننا المغرورقة بالدموع، موكب ملك الملائكة اللابس إكليلاً من شوك والمعلّق على خشبة.

… “وكانت ظلمة عظيمة على الأرض كلها”… تشاهد الكنيسة ربّـها ميتاً فتذرف دموعاً حارّة وتبكيه في أبيات خالدة مؤثّرة مقدّمة لدفنه مع سائر الأجيال التسبيح والتعظيم. لكنها تنتظر برجاء ثابت قيامته العتيدة إذ أنـها تعلم أن قبره هو ينبوع الحياة والفرح لجميع البشر، وخلاص العالم وسلّم الكنيسة.

هذه هي الحقيقة العظمى التي نحياها في هذا الأسبوع…

أنت ترى إذاً أيها الأرثوذكسي أن طقوس كنيستك ليست من الأبّـهة الفارغة بشيء ولا هي مسرحية تعرض للمتفرّجين ولا هيئة متحجّرة لكنها حقيقة رمزية من نعمة وصلاة، وشركة في الإيمان والمحبة…

اجتهد قليلاً لتتبعها بحرص وانتباه تجد فيها تعبيراً كاملاً عن إيمانك وعقائدك وتسمع في تراتيلها صوت المسيح يخاطبك تارة، وطوراً صوت الكنيسة يحثّك على الامتثال بيسوع، وكثيراً ما تجد في الصلوات الكلمات التي تعبّر عن تعبّدك وشعورك الشخصي العميق التي طالما عجزتَ عن أن تتفوّه بـها.

أدمج يا أخي أفكارك بـهذه الكلمات وادمج قلبك في التراتيل المتصاعدة بحرارة تشعر بنفسك مندمجة مع المسيح ومحققة في ذاتـها كيان الكنيسة. إنـها لساعات تاريخية تلك التي نشترك فيها كيانياً مع يسوع المتألم لأن منها ينبثق نور حياتك المتجددة.

فهلمّ بنا إذاً أيها المؤمنون نصحب يسوع بضمائر نقية ونتألم معه ونميت لأجله لذّات العمر لنعيش معه وندخل معه إلى فرح أورشليم الجديدة بقيامته المجيدة.

 

مجلة النور نيسان 1948، ص 73-75

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share