رسالة الأرثوذكسية

ألبير لحام Friday April 1, 1949 40

بقلم الأستاذ ألبير لحّام

هذا نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ ألبير لحّام في الجامعة

الأميركية في بيروت بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيس الحركة

 

تكلّم أحد رؤساء الحركة الأرثوذكسية عن ذكرى تأسيسها قال: “إن هذه الذكرى ليست ذكرى المجد والفخر، ولا ذكرى الأعمال والنتائج، بل ذكرى اعتناق الفكرة واكتشاف الجوهر، ذكرى الأساس الذي وُجد والاتجاه الذي رُسم، إذ أن الفكرة هي كل شيء. لا تنبثق الأعمال إلا عن الفكرة ولا قيمة لهذه الأعمال إلا بالفكرة التي توجهها، فالأفكار هي تسيّر العالم.

وعلى هذا الأساس، لست أريد أن ننفضّ في هذا اليوم ونفترق، قبل أن نستخلص معاً، من خلال البيانات والخطابات والأناشيد، من خلال الأعمال التي قام بـها شباب الحركة وشاباتـها، والأعمال التي عاهدوكم على القيام بـها في السنين القادمة، أن نستخلص معاً، ونتفهّم ونعي الفكرة التي تسيّر الحركة والتي من أجلها يجاهد أعضاؤها ويكرّسون قوى شبابـهم الملتهبة الدفّاقة، تلك الفكرة التي يخدمونـها بكلّ ما أُوتوا به من عزم ونشاط، وبكل ما يملكونه من ثروة روحية وفكرية ومادية.

هذه الفكرة هي النهضة الأرثوذكسية الصلحية، هي الرغبة في إحلال الأوضاع الطائفية التي يريدها لكنيسته كل أرثوذكسي مؤمن، بل يريدها المسيح للكنيسة، هي تحقق المثل الأعلى الذي يجب أن يحيا به أبناء الطائفة ويعملون به، والرسالة التي يجب أن يحملوها إلى العالم، هي السعي الراسخ المتواصل المستمرّ، الحثيث، لبلوغ الأرثوذكسية الكاملة في العقيدة والعبادة، في حياة الإنسان والمجتمع، في حياة العائلة والطائفة.

فالفكرة التي تحملها حركتنا تتخطّى إذاً فكرة الإصلاح الطائفي بالمعنى المعهود ولكنها لا تتخطّاها إلا لتكسبها قوة واندفاعاً إذ تجعل منها فكرة شاملة كفكرة الكنيسة نفسها لا بل فكرة الكنيسة بعينها، بجامعيتها وكليّتها، تلك الفكرة التي لكونـها جامعة شاملة قادرة على معالجة جميع المشاكل البشرية من شخصية واجتماعية وثقافية، هي جديرة بالأحرى أن تحل مشاكلنا الطائفية من إدارية وتنظيمية وقانونية وبعبارة أوضح: فالفكرة التي تسيّر الحركة في النهضة التي تقدم بـها هي أنه، كي نحقق الآمال المعقودة علينا كأرثوذكسيين، يجب علينا أن ننظر إلى نـهضتنا في الطائفة من خلال الرسالة الملقاة على كاهل كنيستنا الجامعة، لا أن ننظر إلى الجامعة، من خلال أوضاعنا الطائفية الإنسانية المحدودة.

فالحركة ترى أن الإصلاح الطائفي لا ولن يقوم إذا ما نظر إلى الطائفة كهيئة بشرية قائمة بذاتـها، وأن مشاكلنا الطائفية لا ولن تُـحَلّ إذا ما عالجها المرء كمشاكل قائمة بذاتـها لا تمتّ إلى الدين بصلة. إنـها تؤول الى الفشل المحتّم، كل محاولة لحلّ مشكلة المدرسة الأرثوذكسية كمشكلة تعليمية بحتة، كما تحلّ مشكلة أية مؤسسة تعليمية علمانية، وكذلك تؤول إلى الفشل الذريع، كل محاولة ترمي إلى حلّ مشكلة الأوقاف الطائفية كمشكلة مالية بحتة، أو حلّ مشكلة جمعياتنا الخيرية ومؤسساتنا كمشكلة اقتصادية بحتة، أو مشكلة محاكمنا الروحية ومجالسنا الملّية، كمشكلة قانونية بحتة.

لأنه في اللحظة التي تصبح فيها الطائفة تعيش تفكر وتعمل كما تعيش وتفكر وتعمل سائر المؤسسات الزمنية العلمانية،

في اللحظة التي تحيا الطائفة فيها منكمشة على نفسها، مكتفية بأنانيتها، غير مكترثة لسواها،

في اللحظة التي تحصر الطائفة فيها اهتمامها وعملها في أمور تافهة كثيرة وترتبك بمشاكلها الداخلية الخاصة، وتتغاضى عن رسالتها الإنسانية وكأنـها عمّا يجري حولها في العالم ساهية متغافلة،

في اللحظة التي ينحصر فيها تفكيرها بمسائل الكرامة والتسلّط والنفوذ والمجد العالمي،

في اللحظة التي تكتفي الطائفة فيها بتشييد الصروح الفخمة حيث يجب أولاً بنيان النفوس، والتي تسنّ فيها الشرائع وتنشر القوانين حيث يجب أولاً نشر روح التواضع والمحبة،

في اللحظة التي تجد الطائفة فيها أنه لم يبقَ من مبرّر لوجودها في الحاضر والمستقبل كمنظمة دينية مستقلّة إلا التغنّي بسابق عزّها ومجدها وبـهائها،

في تلك اللحظة عينها، قد تنجح الطائفة في المحافظة على كيانـها الاجتماعي كمؤسسة اقتصادية مالية ضخمة، إلا أنـها تكون حكماً فقدت كل حقّ بالانتساب إلى الأرثوذكسية والتكلّم باسمها، والتذرّع بأنـها – أي الطائفة – تكمل وتمثل، في عصرنا وبلادنا، كنيسة التجسّد والقيامة، كنيسة الرسل والآباء، التي فيها يكتمل خلاص العالم.

فمن العبث إذن أن نعتقد أنه يمكن القيام بأية نـهضة في الطائفة وإتمام أي عمل إصلاحي فيها إلا وعلى ضوء الرسالة المسيحية الكاملة. فإذا كانت الطائفة تريد بالفعل حلاًّ صحيحاً إيجابياً بنّاء، لجميع مشاكلها من مالية، وتعليمية، إدارية، وإذا كانت الطائفة قد صمّمت النية على البقاء والاستمرار، فعليها أن تعلم أولاً وأخيراً أن تلك النهضة التي تتوق إليها، وهذا الإصلاح الذي تنشد، لن يصبحا حقيقة واقعية ملموسة حية، إلا إذا أصبحت الطائفة بأفرادها ومجموعها، بمدارسها ومجالسها، بمؤسساتـها وجمعياتـها وهيآتـها، حاملة للرسالة الأرثوذكسية المحيية، وأصبح دأب هذه الطائفة وتلك الهيئآت، ومبرر وجودها الأوحد، بثّ تلك الرسالة وتحقيقها خدمةً للانسان والمجتمع.

لأنه ينبغي أن تردّد الأرثوذكسية أبداً نغمة الفرح والمحبة التي دوَت في أجواء بيت لحم ليلة الميلاد الخالدة، ونقلت إلينا وإلى كل إنسان بشارة الخلاص والتجدّد والفداء.

لأنه ينبغي أن تدعو الأرثوذكسية في جميع الأجيال، جمهور البائسين والمشكّكين واليائسين، جمهور المتألّمين والمضطَهدين والمنبوذين، جمهور المتعَبين والثّقيلي الأحمال، لتحمل لهم كلمة التعزية والرجاء فيجدوا راحة لقلوبـهم، وأن تنادي الجالسين في كورة الموت وظلاله لتغدق عليهم نور القيامة والحياة.

لأنه ينبغي أن ترشد الأرثوذكسية جميع المضطربين الحائرين إزاء تضارب الفلسفات والآراء والمذاهب الفكرية، وتشابك القوى والمصالح البشرية الغاشمة، أن ترشدهم إلى ركن متين ثابت للتفكير والعمل والحياة، ألا هو المسيح صخرة الدهور الذي هو نفسه بالأمس واليوم وإلى الأبد.

لأنه ينبغي أن تقف الأرثوذكسية اليوم مرة أخرى، معلّمة وهادية، في مجمع العلم والثقافة، كما وقف الطفل الإلهي بين المعلّمين في هيكل أورشليم أو كما وقف بولس المصطفى في آريوس باغوس الفكر والفلسفة.

مجلة النور تاريخ 1/4/1949 ص 87-89

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share