هدف الإصلاح الطائفي

ألبير لحام Thursday June 7, 1951 128

ليست مشكلة الإصلاح في الطائفة مشكلة إدارية بل روحية دينية في الأساس. هذا ما ردّدته حركة الشبيبة الأرثوذكسية منذ نشأتـها وما تزال.

لا تنكر الحركة أن الفوضى الإدارية مستحكمة في كثير من المؤسسات الطائفية وأن قليلاً من حسن النية وحسن التدبير قد يحل مشكلة هذه المؤسسات من الوجهتين الإدارية والمادية. ولكن حركتنا تؤكد أن الإصلاح الإداري لا يقود إلى إصلاح الادارة الكنسية في الطائفة أي أنه لا يجعل من هذه المجموعة من البشر والأموال والمؤسسات هيئة كنسية عاملة تحمل رسالة المسيح في هذه البقعة من العالم.

فالقضية أعمق إذاً من أن تحل بقوانين وأنظمة وقرارات وإن كانت تحتاج إلى قوانين وأنظمة وقرارات. والمشكلة أعمق من أن تنتهي بإنشاء المدارس وتأليف المجالس ومراقبة الحسابات وإن كانت تفيد دون ريب من إنشاء المدارس وتأليف المجالس وضبط الحسابات.

وقد يظن البعض أن إصلاح القوانين وتنظيم الأموال والمؤسسات هو الخطوة الأولى نحو كل إصلاح. بينما نعتقد نحن أن جسد الطائفة هذا المادي وهيكلها الخارجي هما بحاجة إلى نفحات الروح المحيية قبل أي شيء آخر، وأن المولود من الجسد هو جسد، وأن الروح سيظل أبداً وليد الروح القدس الذي يهبّ بحرية تامة دون التقيد بتنظيمات البشر والذي كثيراً ما تظهر قوته في ضعفات البشر. فالإصلاح لا يتم بالتالي على مرحلتين مرحلة أولى مادية تنظيمية محضة ومرحلة ثانية روحية دينية تنبثق من الأولى. إن تيار الإصلاح هو في مبدئه تيار روحي محض تنبثق منه نتائج في سائر حقول الحياة بما فيها حقل الإدارة والتنظيم المالي.

إلا أن الهدف الأخير لكل نشاطنا يجب أن يظل دينياً صرفاً. وكذلك طابع كل عمل إصلاحي. الإنسان الروحي لا يتوق الى التنظيم لأنه هدف عمله، بل لأنه نتيجة الوحدة المستقرّة في داخله ولأن التنظيم قد يسهّل عليه بثّ الرسالة التي تحملها الكنيسة الى كل إنسان. فهذه الرسالة هي وحدها محور حياته. ولذلك هو لا يقف مكتوف اليدين إلى أن يتمّ التنظيم لأنه لا يعدم وسيلة لبث رسالة المسيح في الطائفة والعالم قبل أن يتمّ أي تنظيم.

فالحقيقة هي أن ثمة قضايا هامة وخطيرة جداً تُطرح في الطائفة ولا يحلّها التنظيم على الإطلاق. هذه القضايا هي قضية الإنسان ومصيره الديني، وقضية كيان الطائفة كجماعة المؤمنين بالمسيح يسوع. هي قضية الفرد الأرثوذكسي والمجموع الأرثوذكسي، حياتـهما، رسالتهما، شهادتـهما. هذه القضايا الكيانية الأخيرة – التي لا بدّ لكل إنسان أن يطرحها على نفسه ليستحق أن يُدعى إنساناً، والتي لا بدّ للطائفة أن تواجهها لتستحق أن تُدعى كنيسة الله – لا يحلّها التنظيم ولا يمكن أن يتأخّر حلّها إلى أن يتمّ التنظيم. هذه القضايا – التي كثيراً ما نتلهّى عنها باهتمامنا بالتنظيم لأنـها تطرح أولاً في دواخلنا – هي هي التي جاء يسوع ليعطيها حلاًّ نـهائياً وبدونـها ما كان لوجود الطائفة ولاستمرارها عبر العصور من مبرّر.

أن نساعد إخواننا على حلّ مشكلة حياتـهم بمواجهتهم بيسوع المسيح المخلّص، أن نحرّر طائفتنا من كل العادات والتقاليد والاهتمامات التي تغشى نقاوة الرسالة المسيحية الخلاصية، أن نثور فيها على التحجّر الفكري والتربّع في المظاهر الطقسية الشكلية والتديّن الخارجي، أن نحارب فيها الجهل الديني والتعصّب الطائفي والعنعنات الحزبية والنزعات العلمانية والجنوح إلى السيطرة السياسية والمجد العالمي، أن نجعل منها شركة روحيّة واعية حيّة في الإيمان والرجاء والمحبة، تحمل دون وجل أو مساومة أو اختلاط رسالة الخلاص بالمسيح يسوع، وتشهد بقوّة في كرازتـها وفي حياة كلّ عضو من أعضائـها وفي مجموعها للحقيقة الخلاصية المسلمة إليها، وبعبارة موجزة أن نسعى جاهدين لبلوغ درجة المطابقة التامة بين حياة الطائفة وأفرادها وبين دعوتـها ودعوتـهم في الكنيسة “لبلوغ قياس قامة ملء المسيح” – هذا هو العمل الإصلاحي الجدّيّ الذي ينتظرنا والذي ينبغي أن ننصرف إليه بكليتنا.

إن هذا الإصلاح هو دينيّ محض. هو إصلاح الفرد بيسوع المسيح في جسد المسيح. هو إصلاح الطائفة بروح المسيح لتحقّق كيانـها وهدف وجودها كأداة لخلاص البشر وجماعة المخلصين. إن العمل في سبيل الإصلاح الديني هو إذاً عمل المسيح بروحه القدوس لا عملنا نحن. وما نحن فيه إلا مقتبلين النعمة بتوبة وأمانة وانسحاق ومتحرّكين بـها بجرأة وخشوع.

لقد آن للعاملين في حقل الإصلاح أن يتفهّموا الهدف الأخير والجوهر العميق للعمل الإصلاحي الأرثوذكسي، حتى تأتي جهودهم بثمر كثير “ولا يكونوا فيما بعد مضطربين ومحمولين إلى كل ريح تعليم بحيلة الناس وبمكرهم إلى مكيدة الضلال” (اف 4: 14).

                                                                                               ألبير لحام

مجلة النور حزيران 1951، ص 97-99.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share