المفهوم الأرثوذكسي للكنيسة

ألبير لحام Wednesday January 7, 1953 26

يوم الأحد في الخامس والعشرين من كانون الثاني ألقى الأخ ألبير لحام في قاعة معهد الدروس العليا محاضرة عن جوهر الكنيسة كما يفهمها اللاهوت الأرثوذكسي ألقاها أمام طائفة مختارة من المثقفين المنتمين إلى شتّى المذاهب المسيحية. وبعد أن بيّن بمقدمة طويلة كيف أن المسيح بسرّ التجسّد صار حالاً بين البشر مستمراً في الزمان بمواهب الروح القدس قال أن ملء الله الحال في جسد المسيح يعطى للناس بالأسرار ولهذه الجهة حدد الكنيسة على أنـها جسد المسيح وأن الملء الإلهي يُعطى لنا فيها بالأسرار التي تُقام باتحاد مع الأسقف. أين يوجد جسد المسيح؟ قال أنه يتحقق ويظهر في الطائفة المحلية التي يرأسها أسقف وأن هذه الكنيسة المحلية هي جسم كنسي Organisme وليست جزءاً من جسم أوسع. الطائفة المحلية هي الكنيسة الجامعة عينها.

ثم تكلّم عن جامعية الكنيسة فقال أننا نحن الأرثوذكسيين نميّزها عن المسكونية. الكنيسة مسكونية بمعنى أنـها منتشرة في العالم كله ولكنها جامعة بحيث لها الملء دائماً وأبداً. فيستقر الكمال والملء في الأجزاء كما يستقر في الكل. إن الكنيسة المحلّية (وهنا لا يعني الكنيسة المستقلة كالكرسي الانطاكي بل الأبرشية) هي جامعة لأن عندها الأسقف والأسرار. وهذه الكنيسة جامعة لأنـها حازت باتحادها بالأسقف كمال المواهب وكمال الحقيقة.

وإذا كانت كل كنيسة محلّية أو أبرشية جامعة تكون الكنيسة واحدة وما معنى الوحدة إذاً؟ أجاب الأخ ألبير قائلاً: “إن الوحدة تعني أن كل كنيسة محلّية مطابقة للأخرى. ليست الوحدة في أن تؤلف كل الكنائس الأرثوذكسية في الأرض جسماً كنسياً واحداً (وهذا يلغي الأساقفة المحليين وملء الأسرار الذي يحققونه مع رعاياهم) ولكن الوحدة هي أن تكون كل كنيسة كوحدة عضوية وسرية عين الكنيسة الظاهرة في كل مكان. ليست وحدة الكنيسة في أن تكون الكنائس المحلّية أجزاء من وحدة منظورة أو وحدة أعضاء متكاملة بل بـهذا أن تكون كل واحدة منها وكلها مجتمعة الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.

ثم قال أن هذه المطابقة بين الكنائس المحلّية تظهر لنا بوحدة إخلاصها للتقليد الكنسي الواحد. وحدة التقليد هي الوحدة في الحقيقة.

وقد أنـهى المحاضر حديثه قائلاً: إذا كانت الكنيسة المحلّية (الأبرشية) وحدة عضوية جامعة حاصلة على الملء باتحادها بأسقفها فليس من مكانة في الكنيسة لأسقف على المسكونة كلها (أي لا مبرر عقائدي للبابوية).

لقد قام الأخ ألبير لحام بمهمة تعريف الكنيسة الأرثوذكسية لغير الأرثوذكسيين وأوضح للأرثوذكسيين عقائدهم بمستوى فكري وبحثي لم يظهر في الكرسي الأنطاكي في الآونة الأخيرة. إن الصالحين في كل مذهب من المذاهب المسيحية الذين لم يعم بصائرهم التعصب الذميم والعنعنات المحلية لا بد لهم أن يجتمعوا بالإخلاص الواحد ليسوع المسيح حول حقيقته. في هذا السعي الحثيث لتحقيق مشيئة الرب في أن يجمع الى جسد واحد أبناء الله المتفرقين (يوحنا 9: 52). لا يرضى ضمير المتقدمين في المعرفة من أبناء كنيستنا المقدّسة إلا أن يشهدوا للحقيقة التي أؤتـمنّـا عليها فنساعد المخلصين من غير الأرثوذكس على اكتشاف النور كاملاً والإقبال على ميراث آبائنا.

مجلة النور، ك2 وشباط 1953 ص 27-28

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share