الأرثوذكسية واتحاد الكنائس

ألبير لحام Wednesday April 1, 1959 29

بقلم المحامي ألبير لحام

إن تعدّد الكنائس المسيحية واختلافها في عقائد الإيمان، أمر لم يرده السيد المسيح مؤسس الكنيسة.

وكيف يريده الرب وقد أسّس كنيسة واحدة، تؤلف جسداً واحداً يحيا بروح واحد، ويجمع بين أعضائها على اختلاف مواهبهم ومشاربـهم، إيمان واحد، ومعمودية واحدة، وأسرار واحدة، ورسالة واحدة، ألا وهي جمع أبناء الله المشتتين إلى واحد.

فإذا كانت الكنيسة، أداة توحيد البشر، منقسمة على نفسها، لا غرابة في أن تكون قد فشلت حتى اليوم في القيام برسالة الوحدة، مما أدى إلى أن تنشأ فلسفات جديدة متنوعة تحاول أن تقوم مقامها بـهذه الرسالة.

الأرثوذكسية واعية كل الوعي أن كل انشقاق مخالف لإرادة المسيح ومعطل لرسالته.

لكن الأرثوذكسية واعية أيضاً أن الوحدة الحقيقية هي في الطاعة لمشيئة المسيح، لتعاليمه ووصاياه، وفي القبول الذي لا تحفّظ فيه للأسس التي أرادها لكنيسته. وكل اتحاد لا يُبنى على هذه الأسس هو نفسه انشقاق من جديد على الكنيسة الرسولية.

فإيمان الكنيسة الرسولية ونظامها هما في نظر الأرثوذكسية القاعدة الثابتة لكل كيان كنسي قويم، لأن على كرازة الرسل أسّس المسيح كنيسته. وهذا الإيمان الرسولي قد حُفظ بفعل الروح القدس سليماً عبر العصور والأجيال وفقاً لوعد الرب بألا تقوى أبواب الجحيم على الكنيسة. وقد بقي هذا الإيمان مشتركاً بين الشرق والغرب الى القرن التاسع للمسيح وهو في نظر الأرثوذكسية الأساس الوحيد لكل اتحاد، إذ ينبغي ألا يُوضع أساس آخر غير الموضوع بيسوع المسيح.

نص الكلمة أُلقيت في عيد الحركة في بيروت في 5 نيسان 1959

فاتحاد الكنائس المسيحية لن يكون في نظر الأرثوذكسية، توافقاً على حد أدنى من العقائد يقبل به الجميع، أو مساومة ومصالحة عشائرية تتنازل بموجبها كل كنيسة عن بعض معتقداتـها حباً بالسلام، على طريقة “لا غالب ولا مغلوب” ويغلب فيها الحق بالنتيجة، بإسم سلام زائف. إن الأرثوذكسية لن تبيع ولاءها لإيمان الكنيسة الرسولية ونظامها، ولو أُغدقت عليها جميع خيرات الأرض بل تتمسّك بقول الرسول: “وإن بشّركم ملاك من السماء بخلاف ما بشّرناكم به، فليكن مفروزاً”.

قد يكون في موقف الأرثوذكسية هذا خيبة للذين يعملون لتكتّل مسيحي سياسي في هذا الشرق العربي وللذين يتمنّون تكتلّاً مسيحياً عالمياً يناصر مجموعة من الدول على مجموعة أخرى ويشنّ صليبية جديدة على عدو جديد. غير أن الكنيسة الأرثوذكسية غريبة تماماً عن هذه النظرة السياسية الى أمور الله. فهي غير منخرطة في خدمة المصالح الزمنية والمادية، وغير مرتبطة بنظام سياسي معين وهي ترفض أن يُستَثمر المسيح في سبيل مطامع وأهداف سياسية، وإن كانت ترتدي الطابع الطائفي. إن تاريخ الكنيسة فيه العبرة البليغة عن الآلام التي عانتها الكنيسة بسبب الاتحادات المزيفة التي فرضها عليها رجال السياسة ولكنه فيه أيضاً تاريخ البطولات التي خطّها المعترفون والشهداء بدمائهم لمقاومة هذا الاعوجاج. ونحن نعلم أننا أبناء هؤلاء المعترفين وأننا بنعمة الله قادرون أن نكتب صفحة جديدة من بطولة الولاء للمسيح والكنيسة.

ونحن، إن تمسّكنا بتعاليم الرسل والآباء أساساً للاتحاد، فلا نفعل ذلك عن تعصّب ذميم بل لإيماننا أن على هذا الأساس وحده، الموضوع من الرب نفسه، سيقوم اتحاد ثابت دائم بين المسيحيين، مبنيّ ليس على أهواء البشر ومصالحهم بل على إرادة الله الأبدية.

فنحن نعلم أن الأرثوذكسية، إذا ما دعت الكنائس الأخرى إلى المصادر القديمة، فهي لا تدعوها إلى الخضوع لسلطة أحد أساقفتها أو للانضواء تحت راية إحدى الكنائس المحلّية، أو إلى اتباع طقوس شرقية، أو إلى قبول بفلسفة معيّنة، بل تدعوها مع الإبقاء على ميزاتـها التاريخية والوطنية، إلى التأصّل في الإيمان وفي ممارسة الأسرار وإلى احتلال مركزها اللائق، ككنائس مستقلّة، في شركة الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة.

إن الذين لهم البصيرة الروحية ليميّزوا اقتراب الأزمنة، يدركون أن الرجاء بتحقيق اتحاد كهذا لم يعد خيالياً على الإطلاق، وإن كانت الطريق الباقية طويلة وشاقة. فالروح القدس، الذي يقود الناس الى معرفة الحق، فاعل الآن أيضاً بقوة عظيمة وهو يقود الكنائس المسيحية ويوجّهها الى اكتشاف التراث الرسولي الأصيل في أعماقها، بصورة أن الاتحاد يبدو وكأنه لن يكون نتيجة حركة سطحية أفقية تخرج بـها الكنائس من مراكزها بعد مفاوضاتٍ ومجادلاتٍ رسمية لتجد الأرثوذكسية خارج ذاتـها بل نتيجة حركة عامودية تتعمّق بموجبها كل كنيسة في فهم التراث المسيحي الأصيل بفعل الروح القدس فتجد الأرثوذكسية كامنة في باطنها.

إن بوادر هذه الحركة المباركة تبدو جليّة في الأفق الكنسي. فالحركة المسكونية التي تشترك فيها منذ أربعين عاماً تقريباً كنائس أرثوذكسية وبروتستانتية، قد ساهمت في تبديد الكثير من الجهل المنتشر في الغرب عن الكنيسة المقدسة وفي إزالة الكثير من أسباب التباعد بيننا وبين إخواننا الغربيين وفي إيجاد تعاون أخوي وثيق مع الكنائس البروتستانتية في حقول المعرفة والخدمة الروحية. وقد كانت هذه الحركة المسكونية، وما زالت، فرصة أعطاها الروح القدس للأرثوذكسية لتعي ذاتـها ومسؤولياتـها كما كانت وما زالت نقطة انطلاق في الكنائس البروتستانتية نحو مفهوم أعمق للمسيحية الرسولية. وها إن اللاهوت البروتستنتي يبتعد شيئاً فشيئاً عن فهم الكنيسة كحزمة من البشر، كما يتجه إلى أن الكتاب المقدس، والتقليد، يتكاملان ولا يتناقضان. والعذراء والدة الإله لم يعد الكثيرون يستنكفون عن تسميتها بما يسمّيها الكتاب المقدس. وفي رأي السيد فيسرت هوفت، الأمين العام لمجلس الكنائس العالمي “كما أن الموسيقى تزيّن الترنيم في الكنيسة، لا مانع من تزيين جدرانـها بالرسوم”.

أما الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، فإن الحركات الطقسية، والكتابية والآبائية التي قامت فيها خلال الثلاثين سنة الأخيرة، قد خلقت في بعض أجزائها جواً جديداً أرثوذكسياً في جوهره، لم تعش الكثلكة فيه بـهذه الكثافة منذ مئات السنين. وقد رافق تلك الحركات تحرر العلوم التاريخية واكتشافها التدريجي لتاريخ الشرق المسيحي الصحيح ولقِيَم التراث الأرثوذكسي الأصيل.

ليس المجال هنا لسرد الوقائع بالتفصيل. ولكن يكفي أن نذكر أن علماء التاريخ واللاهوت الكاثوليكي العظام، أمثال Duchesne, Tixéront, Congar, Bardy, Fliche et Martin, Dvornik, Max de Saxe  قد توصلوا في أبحاثهم إلى أن الشرق المسيحي لم يعترف يوماً بسلطة إلهية لأسقف رومية على الكنيسة جمعاء، وبعصمة كالتي حدّدها مجمع الفاتيكان، وأن هذه العقائد الرومانية الحديثة قد وُلدَت وترعرت في رومية أصلاً ثم انتشرت في الغرب المسيحي.

إن هذه النتائج إذا ما كرّستها الكنيسة الرومانية رسمياً، تشكّل على ما نعتقد، نقاطاً جديدة للتقارب بين الكنيستَين، خصوصاً وأن المجمع الفاتيكاني – الذي يتعثّر أمامه كل مجهود اتحادي – لا يزال في نظر الكثلكة مفتوحاً للبحث في سلطة الأساقفة والمجامع ودور الكنائس المحلية في الكنيسة الجامعة.

وهنا، لا بدّ من ملاحظتَين أساسيتَين نـختم بـهما هذه الكلمة.

الملاحظة الأولى: إن التيارات الجديدة التي تفجّرت في أعماق الكنائس الغربية كانت وليدة عمل الروح القدس “الذي يدعو الكل إلى اتحاد واحد” ولم تفعل الأرثوذكسية في سبيلها الشيء الكثير، وإن كانت هذه الحركات مدينة إلى حد ما لظهور الأرثوذكسية في الغرب بعد الثورة الروسية.

وفي الحقيقة أن من حق الرب علينا نحن الأرثوذكسيين، أن نساهم مساهمة فعّالة وجدّية في الأبحاث العلمية اللاهوتية والتاريخية، الدائرة في الغرب. ومن حق الرب علينا، على الأقل، أن نساهم في عمل الاتحاد بوعي أكمل لرسالتنا المسكونية ومسؤولياتنا في العالم الحاضر وبتجدّد روحي نُسْكِيّ نحقق به الإيمان الذي نجاهر به، ونحيي به التراث المجيد الذي نحافظ عليه. إن الأرثوذكسيين غالباً ما يحملون كنوز هذا التراث في أوانٍ من فخار، في ضعف بشري ظاهر، في جمود فكري واسترخاء روحي، حاجبين بـهاءه عن الأنظار ومعطلين عمل الروح في العالم. إن الروح القدس يعصف الآن بروح الأصالة والاتحاد العميق في الكنائس. ولكن شيئاً نـهائياً لن يحصل ما لم نعبّد له، نحن الأرثوذكسيين، بتجدّدنا الروحي، طريق القلوب والعقول.

وهذه هي الملاحظة الثانية: إن تعبيد طريق القلوب والعقول يتطلّب أيضاً عملاً مشتركاً تقع مسؤوليته على كل مسيحي يبتغي ملكوت الله وكل كنيسة تطلب مشيئته في اتحاد الجميع. من يريد اتحاد المسيحيين، فليقرن النية بالفعل والقول بالعمل كما قال مؤخراً قداسة البطريرك المسكوني السيد أثيناغوراس. وليحلّ في قلبه محبة بلا رياء. ولتكن أعماله مرآة لنواياه. وليُساعد بتواضع وإخلاص على إزالة آثار الماضي من الأحقاد والضغائن. وليُقلع عن استعمال الطرق الملتوية في التبشير وعن استغلال الظروف المادية والسياسية والنفسية لاصطياد الأفراد والجماعات. وليُعرض عن نشر الأضاليل السمجة عن الآخرين. وليُقِم علاقات أخوية حقة بين جميع الكنائس.

إن البحث في الحقائق الإلهية التي يختلف حولها المسيحيون، يبقى عقيماً وغير مجد إن لم تطهّر القلوب بغسل الصلاة والتواضع والمحبة. لأن أخطر الحواجز والمتاريس في طريق الاتحاد ليست قائمة في كتب اللاهوتيين بل في نفوس الشعوب وقلوب المؤمنين.

أن نتمسّك بإيمان آبائنا، أن نشهد له بغنى حياة روحية متعدّدة الوجوه ونبسطه في مؤلفات لاهوتية نيّـرة. أن نصلّي بصبر وتواضع من أجل اتحاد الجميع. أن نطلب، بإسم المسيح، الى المسؤولين في الكنائس إن كانوا مخلصين في طلب الاتحاد، أن يشيعوا جو المحبة بين المسيحيين جميعاً ويدشّنوا في العلاقات بين الكنائس صفحة جديدة من التعاون والتعاضد والتآخي، هذا هو دور الأرثوذكسيين في عمل الوحدة.

أما الباقي، فعمل الرب الذي صلّى ليكون الجميع واحداً. فلتكن مشيئته كما في السماء كذلك على الأرض.

مجلة النور تاريخ 1/4/1959 ص 100-103

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share