زيارة البطريرك الروسي

ألبير لحام Saturday January 7, 1961 9

للأستاذ ألبير لحام

 

إن الزيارة التي يقوم بـها غبطة البطريرك ألكسي رئيس الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، إلى الكنيسة الأنطاكية حدثٌ يهتمّ له الأرثوذكسيون اهتماماً بالغاً ولا ريب، لكنه جدير أيضاً باهتمام وتكريم جميع المسيحيين.

فزيارة البطريرك الروسي، بعد زيارتَـيّ البطريرك المسكوني والبطريرك الصربي، تنمّي عند الأرثوذكسيين الشعور بجامعية الكنيسة المقدّسة ورسوليتها ووحدتـها، فهي تُظهر الأرثوذكسية على حقيقتها، مجموعة عالمية من الوحدات الروحية المشتركة في وحدة الإيمان الرسولي والعبادة الإلهية والأسرار المقدسة والرسالة الخلاصية، تربط بعضها ببعض، وتنمو في الوحدة برباط المحبة، وتواجه مشاكلها المشتركة وتحلّها بالشورى والتباحث وبالرجوع الى سلطة الإنجيل والتقليد الشريف وشهادة الروح القدس. ومن هنا الأهمية التي في الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الرسولية القديمة، تلك التي أسسها الرسل أنفسهم وما زالت كرازة الرسل تُسمع فيها باستمرار ونقاوة الى اليوم، فلا عجب إذا كانت كبرى الكنائس الأرثوذكسية تعترف بأولية الكنائس القائمة في شرقنا: كنائس الاسكندرية وأنطاكية وأوروشليم، ولا غرابة في أن يقوم ممثّلو الكنائس الأرثوذكسية في العالم بالتشاور أولاً مع رؤساء هذه الكنائس والاستماع إلى شهادتـها كلّما وجب اتّـخاذ قرار يـهمّ المجموعة الأرثوذكسية العالمية.

إلا أن زيارة البطريرك الروسي لا تنحصر أهميتها بالنسبة إلى الأرثوذكسيين بل هي تثير اهتمام جميع المسيحيين على اختلاف مذاهبهم. فغبطة البطريرك ألكسي هو رئيس أكبر جماعة مسيحية في البلاد السوفياتية وهو، بـهذه الصفة، المسؤول الأول عن تأدية الشهادة المسيحية في ظروف سياسية وتاريخية جديدة بالنسبة الى المسيحية. فمن المعروف لدى الجميع أن الكنيسة في البلاد السوفياتية ليست فقط منفصلة عن الدولة والمدرسة والصحافة بل هي تواجه حملة منظمة على إيمانـها ونظامها من قبل الإيديولوجية الشيوعية الملحدة الموجّهة للدراسة والصحافة. ففي هذه الأوضاع الدقيقة تؤدي الكنيسة الروسية، بقيادة غبطة البطريرك ألكسي وأعوانه، شهادة تقوم على الصلاة والعبادة المشتركة وعلى قوة كلمة الله “التي لا تقيّد” التي يُكرز بـها في الكنائس، والتي يُسأل كل مؤمن عن إيصالها إلى أولاده ورفاقه مجسّدة في حياة الفضيلة والمحبة والتقوى. ولمعرفة حيوية وفعالية هذه الشهادة الروحية، تكفي الإشارة إلى أن في روسيا اليوم ما يقارب 25000 كنيسة أرثوذكسية مكتظّة بالمصلّين و40000 كاهن 69 دير للرهبان والراهبات ومعهدَين للاهوت وثماني مدارس إكليريكية. وقد قال غبطة البطريرك ألكسي، مفسّراً هذه الحيوية، في خطاب ألقاه أمام وفد مجلس الكنائس العالمي في 23 كانون الأول 1959 ما يلي:

“إننا نجد قوتنا في أسرار الكنيسة التي يحضر فيها الرب بصورة سرية. إن هذه القوة لا تأتينا من أنفسنا. إنـها تنبثق من نعمة الروح القدس المحيية وهي عمل العناية الإلهية التي تقود كنيسة المسيح في طرق لا يدرك عمقها ولا يعرفها إلا الله وحده”.

فكان يجدر بجميع المسيحيين، لا بل بجميع المؤمنين، أن يشتركوا في تكريم هذا القائد الروحي الكبير وإحاطته بمظاهر الحفاوة والعطف والتقديس، فلا تمنعهم عصبيات قديمة وخلافات مذهبية جزئية من رؤية الحقائق الروحية للجهاد المشترك الذي يقوده غبطة البطريرك ألكسي بصبر وإيمان وعناد.

إن زيارة البطريرك الروسي من هذه الناحية ليست فقط مظهراً من مظاهر الوحدة الأرثوذكسية وجامعيتها، بل أيضاً مظهر من مظاهر شهادتـها في العالم شهادتـها للرب يسوع الذي يجذب الكل إليه بارتفاعه على الصليب.

فمبارك الآتي باسم الرب.

من رسالة قداسة البطريرك المسكوني إلى أخيه البطريرك الأنطاكي بعد عودته من زيارة الكرسي الأنطاكي

… “في هذا الشرق الأرثوذكسي كان مركز الإشعاع الأول لملكوت الله وفيه كان الرعيل الأول لإنشاء ديانة الوحي وتنظيمها، وبلغته كتبت أسفار العهد الجديد وفوق أرضه المقدسة عقدت المجامع المسكونية التي رسمت المخطط الأساسي للإيمان الصحيح وهو الذي أعطى أبلغ تعبير بشري لأجل إبراز الأسرار العظيمة الموحى بـها من الكلمة المتجسّدة الى حيّـز الوجود والانتشار. كما أن آباءهم الذين جمعوا وسجّلوا للمسكونة قاطبة بنود دستور الإيمان الذي يؤلّف أساساً للإيمان المسيحي لا يتزعزع ولا يتصدّع أبد الدهر”.

 

مجلة النور ك2 1961 ص 7-8.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share