عيد الحركة الثالث والخمسون

الأب جورج مسّوح Sunday March 31, 1996 29

أيها المحبوبون الغيارى،

وددت اليوم أن اخاطبكم مجتمعين مواجهةً، بعد ستة أشهر  من اختياركم لي في هذه المسؤوليّة – الخدمة.

بادئ بدء، لا بدّ أن نتذكر أنّ المطلوب من الحركي أن يعيَ انتماءه إلى الكنيسة، ليس بالكلام وإنّما بالفعل. الحركي هو مّن كرّس وقته أو جُلَّه خدمةً للكنيسة، فلا يكتفي بالتنظير وإسداء النصائح. وإنّما يقبل المسيح “الكلّ في الكلّ”. هذا يفترض ذهنية جديدة، أي حبًّا للمخلّص والإخوة وتوبةً إليه تعالى دائمة.

من هنا يأتي وعيُنا بأننا ننتمي إلى جسد واحد هو جسد المسيح، الذي يتحّقق في الليتورجيا الإلهية. وبها يتمّ اتحادنا بالمسيح كاتحاد الجسد بالرأس، فالمسيح هو رأس الكنيسة. حياتنا في العالم ليست سوى امتدادٍ لهذا السرّ. ليس القدّاس ساعةً نقضيها مع الله والقدّيسين والإخوة فحسب نعود بعدها إلى وتيرة حياتنا اليومية وكأن الله لا علاقة له بما نقوم به، بل يجب أن يكون القدّاس منطلق حياتنا إلى العالم، منه نستمدّ التزامنا ومنه نأخذ ذخيرتنا.

إلتزامنا الكنسي، على ضؤ ما تكلّمنا ، يفرض علينا أن نعي أنه لا كيان إنسانيٌّ كامل إلّا، كما تقول الأرثوذكسيّة، باجتماع العقل والقلب معًا. وهذا يعني أن الإيمان المستقيم يفترض فهمًا مستقيمًا.

الكتاب المقدّس هو المحكّ لتمييز التعليم الصحيح من المغلوط. ولا إستقامةَ ممكنةٌ بدونه. من هنا، تبرز أهمية تعلّمه، أي معاشرته ودراستِه اللتين تقومان على الآباء القدّيسين وعلى علوم النقد الكتابي الحديث. كانت للآباء قراءاتهم للكتاب، أتفاسيرَ كانت أم حيوات عاشوها، نستفيد منهم ونتغذّى من خبراتهم التي تُعطانا بالروح القدس. لكنَّ هذا لا يعني أن الفهم أو التأويل والإجتهاد قد توقّف عندهم، وإلّا نكون قد اعتبرنا أن مرحلة الآباء انتهت بهم، وليس ثمة آباءٌ معاصرون أو لاحقون. فكما كانت للآباء تأويلاتٌ وتعاليمُ تناسبُ أبناء عصرهم، كذلك لأبناء هذا اليوم. كل هذا يأتي من فهمنا أن الحقيقة الإلهية أُعطيت دُفعة واحدة إلى الكنيسة وأن الروح، الذي خبره الآباء في حياتهم وهم معنا الآن ليس من ماضيهم ولكن بسبب الروح نفسه، هو وحده يصنع الكنيسة وتاليًا العالمَ كلَّه بما يناسب الحقيقة المعطاة، ذلك أنه القادر على أن يصوغها ببهاء اليوم الأخير.

إذا أردنا، أيها الأحباء، أن نكون جدّيين في التزامنا الكنسي، فلا مناصّ من أن نكون جدّيين في نهل المعرفة التي بواسطتها نستطيع أن ندفع الأذى عن أبناء الكنيسة المحارَبين من البدع والتيارات العرفانية والدهرية المتكاثرة.الروح القدس يعضد المؤمن الراغب في العمل ولكنّه لا يحلّ محلّه ولا يعمل مكانه. من هنا علينا ألاّ نكون كسالى واضعين اتكالنا، بشكل سلبي، على الروح القدس، ففي هذا كثير من المونوفيزية، كما أنه في اتكالنا على أنفسنا فقط كثير من النسطورية. فالدعوة إلى دراسة الكتاب المقدّس أساسية لا بل جوهرية. فإنه لمن العيب أن يعرف المبتدع موقع أغلب الآيات الكتابية بينما نجد أكثر أبناء كنيستنا لا يعرف إلاّ النَزْر اليسير منها، من هذا المستوى نبدأ.

هذا يدفعنا إلى أن نعيد التذكير بأن الفرقة الحركية هي المكان الأنسب لدراسة الكلمة الإلهية، فالفرقة جماعة دارسة للكتاب المقدس والآباء والليتورجيات وكلّ ما يساهم في بنيان الجماعة. هذه الدراسة لا معنى لها إذا لم يرافقْها صلاة وصوم والتزامٌ بحياة الكنيسة الطقسية، لأن الفرقة موجودة أساسًا “حول الحمل والأسرار في مسيرة تعلّم دائم وصلاة دائمة”، ومن هذه الحياة الأسرارية تستمدّ وحدتها. ذلك أن الفرقة جماعة شاهدة، في حياتها اليومية، للمسيح في العالم. الفرقة من حيث ارتباطُها بالتيار النهضوي، هي نواة الحياة الحركية، ذلك أنها “مرتبطة بشكل مباشر بالنهضة الكنسية أوّلاً  وآخرًا”. الفرقة، تاليًا، هي جماعة مصلّية، دارسة، شاهدة، تسعى إلى التماس وجه يسوع القائم من بين الأموات، في مختلف ميادين الحياة.

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أهمية مؤسّسة تُعنى بالتعليم في هذه الأبرشية، أعني “مركز الإعداد اللاهوتي” المسائي، الذي جعل الدراسةَ اللاهوتية ممكنةً لكل راغب في تنمية معارفه خدمةً للكنيسة ولأبنائها. هذا المركز  اللاهوتي نحمله في قلوبنا وصلواتنا. ومن نافل القول الدعوةُ إلى الحركيين، إذا ما رغبوا أكثر إلى الدراسة الجدّية الأكاديمية، بأن ينضووا إلى هذه المؤسّسة.

إهتمّت الحركة، منذ نشوئها، بنشر الكلمة، فكانت مجلة “النور” و”منشورات النور”. نحن نرى أن التزامنا بالمنشورات هو من ضِمن التزامنا الحركي، لهذا ندعو اليوم إلى إعادة الإكتتاب “بنادي أصدقاء الكتاب”. مكتبتنا العربية الدينية فقيرة بكتابات الآباء، بخاصة ما يتعلّقّ منها بالتفاسير الكتابية والتعاليم العقائدية، كما نراها فقيرة في ترجمة أعمال اللاهوتيين الأرثوذكسيين المعاصرين. رجاؤنا أن تملأ المنشورات هذه الثغرة.

أمّا بالنسبة إلى المجلّة، فإنّه لَمن البديهي أن نقول إنها صوتُنا ومِنبرُنا الذي منه ننقل هواجِسَنا وهمومَنا إلى إبناء الكنيسة كافة. لهذا، نرى أن تصل المجلة إلى كلّ حركي، وأن يكون اشتراكه فيها ضِمن عُضويته الحركية، جيّدٌ أن تُنظّمَ ندواتٌ في الفروع حول المجلة وحول الكتب التي تصدر عن المنشورات.

لا بدّ من الإشارة إلى أهمية التزامكم توزيع نشرة “رعيتي”، التي تصدرها أبرشيتنا والتي تُعتبر أفضلَ نشرة في الكرسي الأنطاكي، هذا بشهادة غيرنا، وذلك في مختلف الرعايا التي لنا وجودٌ فيها. هذه الوسيلة مجال لنا لكي نساهم في إيصال كلمة البشارة إلى الذين لا يأتون إلى الكنيسة إلاّ في المواسم.

إذا أردنا أن ينجح عملُنا الحركي، علينا أن ننتبه إلى أن كلّ عمل فردي لا ينتج ثمرًا، فالعمل يكون جماعيًا  أو لا يكون. من هنا أهمية إدراكنا أن مجلس الفّرع هو المكان الوحيد للتخطيط والتقويم، وليس ثمّة مكانٌ آخر، هذا إذا تكلّمنا على مستوى الفرع. الشيء عينه نقوله بالنسبة إلى المركز، مجلس المركز هو المرجع الوحيد لمناقشة كلّ ما يعترض أعمال الفروع وله وحده اقتراح ما يناسب، وليس ثمّة مرجِعٌ آخر.

لا بدّ أن أقول شيئا أساسيًا بالنسبة إليّ وهو أن الحركة استطاعت أن تجعل في أنطاكية الوعي بأن “المسيح قام”. هذه هي النهضة. وترى اليوم إلى أنطاكية نفسِها فتجدُ أن الناس فيها والمسؤولين على مستويات كافة، هناك  من يدرك هذا ويقوله وهناك مَن، مع إدراكه، يرفض الحركة، نحن نقول شيئين لأنفسنا:

أولاً : إن كلّ وعي أنطاكي هو بسبب هذه الخميرة التي جعلها  الله في عجين أنطاكية.

ثانيًا: إننا قوم لا نرفض مَن يرفضنا ، إنمّا كل إنسان، حتى نحن، هو بآن جميلٌ وقبيح. ودورنا أن نرى إلى جماله، حتى نبقى دعوةً إلى الوحدة الأنطاكيّة وتفعيلاً لها.  وهذا بآن جميلٌ وقبيح. ودورنا أن نرى إلى جماله، حتى نبقى دعوةً إلى الوحدة الأنطاكيّة وتفعيلاً لها. وهذا أيضًا يفترض شيئين: إن الذي يرفضنا قد يكون يرفضنا بسبب خطايا ارتكبناها في التاريخ ونرتكبها اليوم، من دون أن ننسى أننا خطأة يتوبون، أو أنه يرفضنا لأنه لا يعرفنا.

نحن ننعم في هذه الأبرشية بأبوّة صاحب السيادة المطران جورج ، الذي أسبغ على هذه الأبرشية بحضوره نكهة خاصة. والذي مكّنته الشيخوخة، التي نرجوها طويلة، أن يتمتّع بحكمة تردّنا إذا شططنا وبعاطفة تدفئنا في البرد. ولكن حتّى لا تطالنا الكلمةُ المكتوبة: “لا تعلّلوا النفس قائلين إن أبانا هو إبرهيم” (لوقا 3: 8)، يجب أن نبقى أمناء على العهد، ولعله من المفيد أن نذكر أن كلمة “عهد” في العبرية قد تعني “يربط معًا”، أن نكون أمناء يعني أن نربط أنفسنا في هذه الشرارات الإلهية التي أُطلقت منذ ثلاث وخمسين من السنين، واعين أن لا حياة مستقيمة في الكنيسة أيضًا من دون أنبياء، وأن النبي هو مَن يصرخ الحقيقة ولو أدّت به.

 

مجلة النور، العدد التوثيقي 1996، ص 13-15

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share