ردّ على الردّ

الأب جورج مسّوح Tuesday June 15, 1999 117

الأخ العزيز جان عوض المحترم،

أشكر لك ملاحظاتك حول مقالتي “الألفيّة الثالثة”. أمّا بالنسبة إلى تساؤلاتك فسأسعى لأن أجيب عنها باختصار.

  • عندما يستعمل الكاتب الضمير المتّصل “نا”، فهذا ليتحاشى استعمال الـ “أنا”. ولستُ أدّعي التحدّث باسم حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، التي أفخر بأن أكون أحد جنودها، ولا بإسم “الطائفة الأرثوذكسيّة” ولي عودة إلى هذا التعبير البغيض الموضوع بين مزدوجين. أمّا استعمالي ضمير الجماعة “نا”، في هذا المقال، فلكي يحسّ كلّ مَن يشاركني الرأي أنّ صوته قد وصل إلى حيث ينبغي له أن يصل، أي إلى جماعة المؤمنين كلّها وقرّاء النُّور خصوصًا. وما استنتاج القارىء الكريم أنّ كلامي يعني أنّني أمثّل “مجموعة ما” إلّا استنتاج خاطئ. فالأفكار تنطلق والمجموعات تُبنى عليها وليس العكس، فمَن يوافق يوافق ومَن لن يوافق فلن نبدّعه ولن نعتبر أنفسنا وحدنا الفرقة الناجية.
  • يستعمل الأخ العزيز تعبير “طائفة أرثوذكسيّة”. قد يكون – من دون أن يدري ربّما (حتّى لا يقال إنّي أعطي أحكامًا) – فعل حسنًا. ذلك أنّ الأرثوذكس اللبنانيّين قد غدوا بالحقيقة إحدى الطوائف اللبنانيّة المكوّنة الكيان اللبنانيّ، مع كلّ الامتيازات والمراكز والمواقع التي يدافع عنها كبار القوم والنافذين وبعض رجال الدين. الحمد لله أنّ كثيرين من الأرثوذكس يعتبرون أنّهم لا ينتمون إلى هذا الجسم القبليّ العشائريّ اللحميّ التراكميّ، بل إلى إيمان معبّر عنه في كنيسة مجاهدة إلى ملاقاة وجه ربّها.
  • يقول الأخ جان إنّني عندما تطرّقت إلى موضوع “الإنفصام العميق” عند مسيحيّي زماننا، كان يجب أن أعرّف بمَن هو المسيحيّ. هذا أمر لا أدّعيه، فلستُ قائم الزمان أو الفاروق حتّى أفصل بين المسيحيّين الحقيقيّين والمسيحيّين غير الحقيقيّين. ولكنّني عندما أشرت إلى الانفصام عند المسيحيّين، فإنّما قصدتُ تلك الازدواجيّة السلوكيّة في الحياة عند أغلب الذين يعتبرون أنفسهم مسيحيّين.
  • يستغرب الأخ القارئ موقفي من التعييد للألفيّة الثالثة، ويتساءل ما المانع؟ فأطرح السؤال معكوسًا: لماذا تعييد الألفين وليس تعييد اﻟ 1999 أو اﻟ 1998 أو غيرها من السنوات؟ أليس كلّ هذا تراكم سنوات لا معنى له؟ وقد أطلقت حججًا لاهوتيّة تدفع إلى رفض التعييد. أمّا القارئ الكريم فلم يعطِ أيّة حجّة لاهوتيّة تبرّر تعييد الألفيّة الثالثة. لن أعيد هذه الحجج، مع العلم أنّ المتسائل نفسه يجيب عن نفسه، موافقًا معي، عندما يؤكّد “أنّ الأرثوذكسيّة تنظر دائمًا إلى الأمام”.
  • يؤكّد الأخ جان أنّه – فقط؟ – ينتظر المجيء الثاني، ولا يتذكّره. لسنا هنا في مجال تراشق آيات كتابيّة. ولكنّني أعتقد بأنّ الآية الواردة في رسالة القدّيس يوحنّا الأولى تزيل الالتباس (الحاصل في بعض الأذهان) بين أن يكون الربّ قد أتى ثانية أو أنّه لم يأت بعد. تقول الآية: “أيّها الأحباء نحن الآن أبناء الله ولم يتبيّن بعد ماذا سنكون، غير أنّا نعلم أنّه إذا ظهر نكون نحن أمثاله لأنّا سنعاينه كما هو” (2، 3). هذا يعني أنّ الملكوت قد بدأ، ولكنّه سيُكشف حين يظهر الرّب الديّان. لذلك لا نرى تناقضًا في قولنا إنّ المجيء الثاني حصل، ذلك أنّ المسيح لم يغب أصلاً. هذا يعني أنّ المسيح حاضر بالفعل في كنيسته وخارجها و”يعمل” لخلاص العالم ويسمع المؤمنين وابتهالاتهم لإعلان ملكوته، وهل القدّاس الإلهيّ إلّا مشاركة – بسب رحمته – في هذا الملكوت؟ مع العلم أنّ نصّ القدّاس الإلهيّ يقول إنّنا “نتذكّر” المجيء الثاني وذلك قبل صلاة حلول الروح القدس. وهل يتذكّر المرء شيئًا لم يحصل بعد؟

يقول الأب جورج فلورفسكي إنّ الملكوت «افتُتح» (۱). زمن الكنيسة ليس زمن انتظار وحسب، أو زمن انتظار سلبيّ، بل هو زمن انتظار فاعل، يجعل المسيح حاضرًا في حياتنا حين ندعوه.

وسيكون لنا عودة إلى هذا الموضوع بالتفصيل، إذا لم يكن بعد قد أشرق يوم الحشر.

والسلام.

عاليه، 5 حزيران 1999.

 

—————

  • Henri Irenée Marrou, Théologie de l’histoire, Seuil, Paris, p. 89

مجلة النور، العدد الرابع 1999، 214-215

 

ردّ حول الالفيّة الثالثة

بقلم جان عوض

 

قدس الأب جورج مسّوح المحترم

أدهشتني افتتاحيّة العدد الأول من مجلّة النورُّ لعام 1999، وطرحت عندي بعض التساؤلات:

 

أولاً : أن تطرح اسئلة تطلب فيها إيضاحًا لمعنى هذه الاحتفالات أمر لا تعليق لي عليه.

لكن عندما تستعمل عبارة “تحفّظاتنا” فهذا يعني أنّك تمثّل مجموعة ما. فهل هذه المجموعة هي الطائفة الأرثوذكسيّة؟ أم هي حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة؟ أم…؟.

كما أنّ الحديث عن انفصام عميق عند مسيحييّ زماننا، أمر يتطلّب تعريف المسيحيّ.

 

ثانيًا: إنّ التحضير لتذكّر حدث ما يكون بقدر ما يعني هذا الحدث للجماعة من معنى. فالتجسّد الإلهيّ هو حدث مهمّ في تاريخ الكنيسة. لذلك ما المانع من تعييد أو تذكّر هذا الحدث المهمّ في تاريخ البشريّة جمعاء، رغم أنّ الأرثوذكسيّة تنظر دائمًا إلى الأمام.

 

ثالثًا:  نحن لا نتذكّر المجيء الثاني في القدّاس الإلهيّ بل ننتظر المجيء الثاني وإلاّ ما معنى دستور الإبمان (وأيضًا يأتي بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات)، والصوم، وكلّ الليتورجيا، وأنّ يوم الربّ سيأتي كلصّ… وأنّ لا أحد يعرف الساعة والوقت…

فالتأكيد أنّ المجيء الثاني أمر قد تمّ بالفعل وتاليًا لا ننتظره، قد يترك المجال لتأويلات كثيرة. كما أنّ هذا الكلام يتناقض مع تخوفّك من أنّ الاحتفال باليوبيل هو احتفال بتأخّر  المجيء الثاني المنظور. فالمسيحيّون يصلّون باستمرار “تعال أيّها الربّ يسوع…”، لكن على ما يبدو أنّك قد حكمت على الأمور مسبقًا، لأنّ هذه الاحتفالات قد تكون مجالاً للبشارة كما للتوبة وقد تكون العكس…

أخيرًا، صحيح أنّ الكنيسة هي اليوم أمام تحدّيات كثيرة، لذلك لماذا لا تستغلّ الكنيسة الأرثوذكسيّة هذه المناسبة لتعطيها الطابع الصحيح وتجعل منها مجالاً للبشارة ومجالاً للتوبة وتوجّه المؤمنين نحو انتظار دائم للمسيح وتكون شاهدة لربّها كما ذكرت في نهاية الافتتاحيّة.

أبتِ العزيز، محبّتي لك دفعتني إلى كتابة هذّه السطور بإيجاز.

أخوك بالربّ يسوع.

 

مجلة النور، العدد الرابع 1999، 213

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share