الحرّيّة

الأب جورج مسّوح Friday December 15, 2000 20

قيل الكثير من المديح والتقريظ في موضوع الحرّيّة، وترى الناس أفواجًا صادقة تتمنّى الحرّيّة لها ولغيرها بالتوازي، وترى أفواجًا أخرى كاذبة تتشدّق مطالبة بالحرّيّة وتتحدّث عنها ببراعة كما تبرع الزانية بالفصاحة في العفاف. وقد رافق بدء التاريخ الإنسانيّ الجدل حول الحرّيّة ، فاستُعبد الإنسان وساواه أخوه الإنسان بما هو دون الإنسان فجرّده من إنسانيّته بمجرّد اعتباره دونه.

السؤال الذي نطرحه هو: هل بلغ الإنسان إلى الحرّيّة في نهاية القرن المشرف على الانصرام؟ نسأل هذا السؤال وفي بالنا البقعة الجغرافيّة التي مجالها الشرق الذي وهبنا الله إيّاه أمانة لنعمّره ونبقيه حسنًا كما خلقه هو، فلا نعيث فسادًا فيه. نسأل هذا السؤال وفي بالنا المسيح المحرِّر والثائر على الظلم والعبوديّة، وفي بالنا بولس الرسول الحرّ في المسيح وكلّ تراث الكنيسة اللاهوتيّ الذي يشدّد على أهمّيّة الحرّيّة التي يجب أن يتحلّى بها أيّ مؤمن يروم الانضمام إلى رعيّة المسيح.

لقد أجمع آباء الكنيسة على القول إنّ صورة الله في الإنسان هي الحرّية والعقل، فالإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يقول فيه الكتاب المقدّس إنّه خُلق على صورة الله ومثاله، والبديهيّ أن العقل والحرّيّة هما ما يميّزان الإنسان عن كلّ المخلوقات العاقلة وغير العاقلة، فيكون تاليًا أنّ الله خلق الإنسان حرًّا مختلفًا عن المخلوقات كافّة. وما قصة سقوط آدم إلاّ لتبيّن لنا مدى احترام الله لحريّة آدم وخياراته. لذلك، لا يُلزم الله أحدًا من الناس بالإيمان به رغمًا، الله يريد أن يختار الإنسان بملء إرادته وحرّيّته البقاء معه والإيمان به. ولنا في كلام القدّيس مكسيمس المعترف عبرة تتلخّص بقوله إنّ الإنسان ليس مكرهًا على الاتحاد بالله، فهو حرّ، وحريته تعطيه الإمكانيّة أن يرفض الله أو أن يتّحد به.

من هنا، الله لا يريد الشرّ لكنّه يسمح به، احترامًا منه لحرّيّة الإنسان. فيقول القدّيس يوحنا الدمشقيّ: “إنّ الأمور التي هي في استطاعتنا، بعضها صالح ويشاؤه الله عن تصميم ورضى، وبعضها طالح وشرّ في الحقيقة ولا يشاؤه الله لا سابقًا ولا لاحقًا، إنمّا يتركه لحرّيّتنا”. ولا يجوز نسبة مسؤوليّة أعمال الإنسان إلى قوّة  خارجة عن إرادته، فالإنسان ليس آلة مبرمجة مسبقًا، وغير صحيح أنّ لا حول له ولاقوّة على مجابهة الخيارات التي تنشأ أمامه. ويؤكّد القدّيس نفسه “أنّه لا يجوز تسجيل الأعمال القبيحة والظالمة على الله، ولا على القضاء، ولا على القدر، ولا على الطبيعة، ولا على الحظّ، ولا على الفطرة”، ويختم هذه الفكرة بقوله: “وعليه بقي أنّ الإنسان، إذا عمل أو صنع، فهو مبدأ أعماله الخاصّة، وهو حرّ”. إذًا ، كلّ إنسان مسؤول عن أعماله، أصالحة كانت أم شرّيرة، ويصحّ هنا القول أن “ولا تزر وزرة وزر أخرى”. ومسؤوليّة الإنسان عن أعماله يستمدّها من كونه حاملاً صورة الله، ولو كان – في اعتباراتنا –بعيدًا عنه.

هذا ما يقدّمه لنا لاهوتنا الأرثوذكسيّ وتقليدنا عن مفهوم الحرّيّة. هل هذا ما نجده في أرض التطبيق والواقع؟ واقع الحال أنّ الحرّيّة، على صعيد الكنسيّ تحديدًا، ليست محترمة، إلاّ في بعض الأماكن حتّى لا يغلبنا التعميم. ما ينقصنا هو تربية على ثقافة الحرّيّة، فلا يستطيع مَن جُبِل على حبّ السلطة أن يلقي مواعظ في الحرّيّة، ولا يستطيع مَن لا يؤمن بحرّيّة الغير أن يلقّن الناس دروسًا في فضائل الحرّيّة.

أحيانًا، يبدو لنا أنّ البعض أكثر غيرة من الله على كنيسته، فنراهم يتشبّثون بقسم من المنتمين إلى طائفتهم والراغبين بالخروج منها، فيقيمون لهم الاحتفالات الأسراريّة، من زواج وغيره، ولا يدافعون عن حقّهم بالاختلاف معهم والخروج عن طاعتهم. ومع هذا، يرصفون الكلام جملاّ منمّقة عن المسيحيّة والحرّيّة. الله نفسه رضي بأن يخرج آدم من جنّته – وما أدراك ما الجنّة – وبعضنا لا يرضى بأن يرى أحدهم يخرج من تحت سلطته.

كلّ قمع للحرّيّة إنّما هو قمع لصورة الله في الإنسان ، فكم بالحريّ إذا كان هذا القمع بسبب المحافظة على أبناء الطائفة وعدم التفريط بالعدد – آه من العدد – على حساب الإيمان.

حسبنا أن ننظر إلى الملكوت الآتي ، ملكوت الحرّيّة الحقيقيّة.

 

مجلة النور، العدد الثامن 2000، 414-415

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share