الأصوليّة في عقر دارنا

الأب جورج مسّوح Saturday October 30, 2004 128

الأب جورج مسّوح

 

ثمّة حديث دائم في وسائل الإعلام عن الأصوليّة الإسلاميّة، وما تجنيه يداها في مختلف أطراف الدنيا. والصبغة التي اصطبغت بها هذه الأصوليّة الإسلاميّة إنّما هي صبغة العنف والإرهاب الذي يطال المدنيّين وغير المدنيّين، وذلك تحت عناوين تدّعي المقاومة وصدّ العدوان ودحر الاحتلال، إلخ.

وثمّة أصوليّات مسيحيّة، وإن كانت لا تتوسّل العنف المباشر، كما في حالة الأصوليّات الإسلاميّة، إلاّ أنّ عدد ضحاياها يفوق بأشواط ضحايا الأصوليّات الإسلاميّة. ولنا مثال فاضح على ذلك الأصوليّة المسيحيّة الأميركيّة التي تدير الإدارة الأميركيّة الحالية. إنّ ضحايا الأصوليّة الأميركيّة من المدنيّين العراقيّين ليفوق عددها بكثير ضحايا الزرقاوي أو بن لادن أو مَن يماثلهما في العراق وفي غيره من البلدان.

هذه الأصوليّة ذات الوجه العنفيّ ليست سوى وجه من وجوه الأصوليّة. ولا يمكن عزل أيّة أصوليّة دينيّة عن وجه من وجوه العنف المباشر أو غير المباشر.

غير أنّ ما يعنينا، في هذا المقام، فهو الجواب عن التساؤل الشرعيّ: هل ثمّة أصوليّة مسيحيّة بعامّة، وأرثوذكسيّة بخاصّة؟

فالأصوليّة تعتبر أنّ المنتمين إليها هم وحدهم المخلّصون، والباقي إلى نار جهنم يُصلون فيها إلى الأبد. وكثير من المسيحيّين يحتكرون الخلاص ويمنعونه عن غيرهم. والغير هنا ليس غير المسيحيّين فحسب، بل أبناء الطوائف المسيحيّة الأخرى. ويدخل في خانة الغير أيضًا أبناء الطائفة نفسها غير الناهجين نهج زعيم «الفرقة الناجية»، هذا الزعيم الروحيّ الذي يتوجّب تقديم الطاعة والولاء إليه حتّى تأخذ صكّ البراءة، وإلاّ فالويل والثبور وعظائم الأمور.

والأصوليّة ترفض الحوار، وتحتقر كلّ مَن يدعو إليه. فالأصوليّون المسيحيّون يحتكرون اللَّه، ويأسرونه في فهمهم الضيّق للحقيقة المعلنة. ثمّ يأتي تخوين مَن يخرج من – وليس عن – القطيع ليتكلّم مع الآخر المغاير من دون أن يساوم على المبادئ الأساسيّة التي يقوم عليها الإيمان. ويصبح المحاور في قفص الاتّهام لمجرّد أنّه يحاور. ويُحكم عليه حكمًا مبرمًا لا ناقض له.

ومن سمات الأصوليّة عدم الثقة بالنفس والتشكيك الدائم بالآخر. فتصير مشبوهة كلّ دعوة إلى لقاء أو إلى حوار إسلاميّ – مسيحيّ أو مسكونيّ أو أرثوذكسيّ – أرثوذكسيّ. ويأتيك مَن يوزّع العلامات والنقاط، فهذا أرثوذكسيّ مائة في المائة، وذاك خمسين، وهلمّ جرّا. ويمسي الانفتاح مسبّة، والويل لك إذا اتّهمتَ بالانفتاح أو بالاعتدال.

ومن سماتها أيضًا احتكار الحقيقة والمعرفة الدينيّة والعلم والتقوى والغيرة على الإيمان والتفسير الصحيح للكلام الإلهيّ. أمّا مَن لا يساير زعيم «الفرقة الناجية» فهو جاهل بالحقيقة، ويحيا في الباطل، ولا يقارب التقوى، ويفرّط بالإيمان، ولا يفقه التفسير الصحيح، لأنّه، باختصار، في ضلال مبين، ولم يهتدِ بنور النهج الأمين…

ومن سماتها رفض التنوّع والاختلاف في الآراء. فالتنوّع من الشيطان الذي يزيّن للناس محاسن الدنيا والعصر الحديث. وبدلاً من المواجهة الفاعلة لتحدّيّات المعاصرة، يحلّ الخوف في القلوب، وتأتي الأجوبة الجاهزة التي ترمينا في التقوقع والانعزال والهرب. وكلّ مَن يحاول أن يتعصرن ويبقى في الإيمان يُرمى بالتكفير والابتعاد عن الله. ففي ذهن الأصوليّة القرب من اللَّه يعني العداء المطلق للمجتمع. يعني التصحّر.

الأصوليّة في عقر دارنا، نحن الأرثوذكسيّين الذين يتباهون بتاريخهم المنفتح على الآخر، فلننتبه إلى أنّنا لسنا أفضل من غيرنا في مسألة الأصوليّة. ولنجاهد لنبقى أنقياء.

 

مجلة النور، العدد السابع 2004، ص 330-331

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share