قول الحق واجب

الأب جورج مسوح Wednesday December 15, 2004 99

الأب جورج مسوح

 

المسيحيّ مدعوّ كسيّده إلى التعاطي وشؤون البلاد والعباد انطلاقًا من الإنجيل والتراث والعريق. ولا يحقّ للمسيحيّ الاستقالة من بثّ قول الحقّ في وجه الباطل وأتباعه. و«قول الحقّ» هو المسيح كما يرد في القرآن نقلاً عن مسلّمة مسيحيّة لا اختلاف عليها. من هنا، لا يمكن الانتماء إلى المسيح وفي الآن ذاته كتم «قول الحقّ».ففي ذلك تناقض، كونك إذا كتمته تكون كاتمًا المسيح نفسه.

وقول الحقّ يستوجب الإشارة إلى مواضع الألم والظلم والاعتداء من دون مسايرة ولا حسابات ضيّقة، بل بالمحبّة التي «تفرح بالحقّ» (كورنثوس الأولى ١٣، ٦). ويقتضي هذا القول وهذه المحبّة التضامن الحقيقيّ الملموس من المستضعفين والمظلومين والفقراء والمعتدى عليهم، ومواجهة المستكبرين والظالمين والمحتكرين والمعتدين بالكلمة الحسنة، لا بالشرّ، كما يعلّمنا الإنجيل، وانطلاقًا من مبادئنا التي لا نحيد عنها قيد أنملة.

ما يستدعي، في هذه الأيّام أن نصدع بقول الحقّ، أمور كثيرة، بدءًا بالحاجات اليوميّة من انقطاع الكهرباء، وغلاء المازوت والبنزين، وارتفاع الأسعار عمومًا… مرورًا بالأقساط المدرسيّة وانعدام التعليم الرسميه الذي كان، «يكتّر خيرو»، يوفّر التعليم للفقراء… وانتهاء بموضوع الحرّيّة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان، والاحتلالات المتعدّدة الرازحة على قلوب أبناء اللبلاد التي تشكّل معًا أرض كنيسة أنطاكية التاريخيّة وشركائهم في المواطنة.

فهل يبقى المؤمن صامتًا أمام هذهالوقائع؟ وهل يكون مخطئًا إذا تحدّث في شأنه؟ الجواب على كلا السؤالين هو «لا» عظمى مخطّطة بحروف ضخمة لا لبس فيها. والمسيح، معلّمنا، قال حين لطمه واحد من الحرس عند رئيس الكهن في حين محاكمته: «إن كنتُ أسأت في الكلام، فبيّن الإساءة. وإن كنتُ أحسنت في الكلام، فلماذا تضربني؟» (يوحنّا ١٨: ٢٣). لم يصمت المسيح أمام الاعتداء صمتًا سلبيًّا، بل بتفسير أو بتوضيح من المعتدي عليه، ناقش اللطّام الذي أهانه بغير حقّ، انتظر منه جوابًا.

من هنا، لا يجوز الحديث عن إمكانيّة أن يطالب المؤمن بحقّه أو أن يسأل عنه فحسب، بل هو ملزم إلزامًا قاطعًا بهذا الأمر. وليس المقصود فقط المطالبة بحقّه الشخصيّ، بل المطالبة بحقّ كلّ من هو في حاجة إلى دعم ومساعدة للوصول إلى حقّه. فيسزل السارق: لماذا تسرق؟ والظالم: لماذا تظلم؟ والمستكبر: لماذا تستكبر؟ والمعتدي: لماذا تعتدي؟ والمحتلّ: لماذا تحتلّ الأرض وتطرد منها أهلها أو تقتلهم باسم قضايا كبرى؟…

المسيحيّ الأنطاكيّ الانتماء، انطلاقًا من مسيحيّته لا من أيّ إيديولوجيّة حزبيّة أو عقائديّة أو فكريّة أخرى، مدعو في هذا الشرق العزيز إلى التضامن مع أهل هذه البلاد كلّها. مع فقرائها ومقموعيها والمغتصبة حقوقهم والمعتدى عليهم، الذين أضحوا مجرّد أرقام موتى، بالواقع أو بالمجاز، أو مجرّد مشاريع موتى مصطفّين ومنتظرين ساعة قضائهم وقدرهم التي يحدّدها جبابرة هذا العالم.

والعراق، للمناسبة، ليس غريبًا عن الأرثوذكس في لبنان وسورية، إذ لنا فيه أبرشيّة على رأسها مطران عضو في المجمع الأنطاكيّ المقدّس، أمدّ اللَّه عمره إلى سنين عديدة. لذلك، نحن معنيّون بما يجري فيه، ولا يسعنا أن نكون على الحياد، فلا نسمهي الأمور بمسمّيّاتها كما هي. فالاحتلال الأميركيّ احتلال، وليس أيّ شيء آخر. وإرهاب الأصوليّين إرهاب، ولا يمكن وصفه بغير هذا الوصف… أمّا ضحايا الطرفين فأبناؤنا من مسيحيّ العراق ومسلميه. وكلّ دعوة إلى الحياد في العراق، بمعنى أن ليس لنا أن نقول رأينا في ما يحدث هناك، هي دعوة ممجوجة.

المسيحيّة لا تعني الاستسلام للأمر الواقع، ولا الانكفاء، ولا الصمت. هي كلمة حقّ تقال عاليًا، فالمسيح لم يساير حين قال للمرائي: يا مرائي، وحين سمهى الشرّير بالشرّير، وحين وبّخ الكتبة والفرّيسيّين… هكذا، الحقّ لا يداهن ولا يهمد.

 

 

مجلة النور، العدد الثامن 2004، ص 386-387

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share