استشهاد المطران رحو لا نهضة للمسيحيّين من دون نهضة المسلمين

الأب جورج مسوح Sunday March 23, 2008 111

لا ينتبه العالم إلى وجود مسيحيّين في المشرق العربيّ إلاّ حين تحلّ بهم المآسي. فتبدأ وسائل الإعلام بعرض برامج عن هؤلاء المسيحيّين وكأنّهم خارجون من متاحف التاريخ، لا بصفتهم يحيون في عالم اليوم. وتزداد نكبة المسيحيّين حين “يتضامن” المجتمع الدوليّ معهم بلغة خشبيّة لا تتجاوز الألفاظ الرتيبة ذاتها، وبعض تعابير الإشفاق والاستنكار والاستهجان مع كلّ المرادفات الممكنة التي لا تغني عن جوع، وبعض الصلوات المرفوعة هنا وهناك من أطراف المعمورة التي لا تلين قلوب مَن بيدهم الأمر والنهي.

أثار استشهاد رئيس أساقفة الموصل للكلدان المطران بولس فرج رحو ردود فعل من مثل ما أوردناه أعلاه. لكنّ هذه الجريمة ضاعفت القلق عند مسيحيّي المنطقة من مضاعفات الأزمات المتلاحقة في البلدان التي يحيون فيها منذ ما قبل نشأة المسيحيّة. حال المسيحيّين في أوطانهم مريعة، أعدادهم تتدهور، هجراتهم تتزايد، حضورهم يخبو شيئًا فشيئًا. ووصل بهم الحال إلى حدّ القول بأنّ أحدًا لم يعد يحسب لهم حسابًا، فإن بقوا فأهلاً وسهلاً، وإن رحلوا فمع السلامة.

قبل الخوض في البحث عن سبب هذا القلق، لا بدّ من التسليم بوقائع التاريخ المعاصر التي ترينا أنّ القرن العشرين آذى المسيحيّين المشرقيّين أكثر ممّا تأذّوا خلال ثلاثة عشر قرنًا من الحكم الإسلاميّ لمنطقتهم. فتركيا العلمانيّة ذات النزعة القوميّة الطورانيّة قامت على ذبح الأرمن ونفي اليونانيّين والسريان والأنطاكيّين، بينما كان وضع هؤلاء أقلّ سوءًا في ظلّ الدولة العثمانيّة إلى نهاية القرن التاسع عشر.

قبل إعلان دولة إسرائيل كان عدد المسيحيّين في فلسطين يشكّل حوالى ربع السكّان. اليوم لا يتجاوز عددهم، بحسب أشدّ المتفائلين، الاثنين بالمائة. وفي مقارنة بسيطة نجد أنّ دولة إسرائيل قد أساءت إلى المسيحيّين أكثر من أيّ دولة أخرى. فبعد ستّين عامًا من عمرها، لا أمدّ الله بعمرها، تكاد أن تقضي على وجودهم كلّيًّا. وفي الوقت الذي يمارس فيه الإسرائيليّ طقوسه الماجنة بقتل الأطفال في غزّة وسواها من المدن الفلسطينيّة، يأتي “المجتمع الدوليّ” وينحني أمام نصب المحرقة اليهوديّة، ولا يلقي ولو بوردة على قبر طفل فلسطينيّ.

الآن هو دور العراق. فبفضل الاحتلال الأميركيّ يستمرّ النزيف اليوميّ الذي يطال المسلمين كافّة، سنّة وشيعة، والمسيحيّين أو مَن بقي منهم، وعموم العراقيّين إلى أيّة قوميّة أو ديانة انتموا. الإرهاب يضرب في كلّ مكان، ولا يمكن إدراج استشهاد المطران رحو خارج هذا السياق، بمعنى أنّ كلّ الشعب العراقيّ مستهدف وليس فقط المسيحيّون. فقد فاق عدد قتلى العراقيّين، بحسب إحصائيّات أجريت منذ ستّة أشهر، الستمائة وخمسين ألف قتيل.

غير أنّ ذلك لا يمنع المسيحيّين من التفكير بغدهم ومستقبلهم في هذه المنطقة المشتعلة دائمًا. ويزداد قلقهم حين يفكّرون بالخيارات المتاحة أمامهم، وهي بتقديرنا ثلاثة، وكلّ منها أشدّ مرارة من الآخر: إمّا القبول بالعيش في ظلّ نظام ديكتاتوريّ يحفظ لهم بعض الحقوق والواجبات على شرط الطاعة الكلّيّة للنظام، وإمّا العيش في ظلّ دولة دينيّة تنتقص من مواطنيّتهم وتجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية، وإمّا العيش في ظلّ احتلال لا يهمّه أمرهم بقدر ما يهمّه نهب الثروات. وإلى أن ينضب النفط، عجّل الله بذلك، ليس أمامهم سوى أحد هذه الخيارات.

في الختام، نضمّ صوتنا إلى صوت البطريرك الكلدانيّ الذي دعا المسيحيّين العراقيّين إلى “الصبر والثبات في الإيمان”. ونضيف القول بأنّ التضامن المسيحيّ الإسلاميّ ضرورة قصوى من أجل صنع مستقبل زاهر. فنهضة المسيحيّين لا يمكن أن تقوم من دون نهضة المسلمين، والعكس صحيح. ويكون واهمًا كلّ مَن يعتقد أنّ إحداهما يمكن أن تتحقّق من دون الأخرى. احفظْ نفسك “أيّها القطيع الصغير” إلى أن يعبر الغضب.

 

جريدة “النهار” 23 آذار 2008

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share