من الكاريكاتور المسيء للنبيّ إلى تنصير علاّم : من أجل حرّيّة لا تشوّه الآخر

الأب جورج مسّوح Friday April 4, 2008 90

علاقات الغرب بالإسلام يشوبها التوتّر بين طرفيها بشكل دائم. وهذا التوتّر يشتدّ ويخفّ من حين إلى آخر بحسب الظروف القائمة والمواقف المتبادلة. ويأتي الاستفزاز المقصود وغير المقصود ليصبّ الزيت على نار هي مشتعلة من دون داع إلى مَن يزكيها وينفخ فيها. هي علاقة يحكمها انعدام الثقة الذي غذّاه تاريخ مليء بالحروب والدماء واستعمار يتجدّد بعد انحسار. ويضاف إلى ذلك اختلاف ثقافيّ يطال كلّ شيء تقريبًا، وبخاصّة منظومة القيم والأخلاق التي تقوم عليها النظرة إلى المجتمع والعلاقات بين الأفراد في كلّ منهما.

فمن الرسوم الكاريكاتوريّة المسيئة لنبيّ الإسلام التي ظهرت في إحدى صحف الدانمارك، إلى الفيلم الهولنديّ المسيئ بدوره للنبيّ نفسه وللقرآن الكريم، ثمّة سقوط مدوٍّ للقيم والأخلاق التي قامت عليها في الأصل الثقافة الغربيّة، وعلى رأسها الاحترام المتبادل بين الأفراد والجماعات. ليست المسألة، على هذا الصعيد، متّصلة بحرّيّة التعبير التي تصونها شرعة حقوق الإنسان. فالشتم واحتقار الآخر لا تبيحهما الحرّيّة ولا تجيزهما. ويجانب الصواب كلّ مَن يدافع عن هذا النمط من الحرّيّات التي تساهم في تشويه المختلف دينيًّا أو عرقيًّا أو جنسيًّا.

في المقابل، لا يكون الردّ على هذه الإساءات بالأساليب الغوغائيّة التي إن وصلت إلى حدّ استعمال العنف، من تحطيم للمحالّ والسيّارات وإشارات المرور وصولاً إلى قتل بعض الأفراد الأبرياء، قد يُفقد صاحب الحقّ حقّه لصالح صاحب الإساءة! الردّ يكون في اجتراح الوسائل التي يمكن بها مخاطبة العقل الغربيّ وإقناعه عبر منظومته هو بوجوب إعادة الاعتبار إلى الاحترام المتبادل بين الثقافات وعدم استثارة مشاعر البغضاء والكراهيّة بين الشعوب والجماعات. وهذا يتطلّب تطوّرًا كبيرًا في العقل والذهنيّة العربيّين والإسلاميّين لمواجهة قوى الاستكبار العالميّ بما لا ينفّر بعض الغرب الذي يمكن أن يكون معهم في صفّ واحد.

هل يمكن وضع انتقال الصحفيّ المصريّ المسلم مجدي علاّم إلى المسيحيّة في غير هذا السياق؟ هذا السؤال يفرض ذاته على المراقب الذي يرى الأحداث والمناسبات بكلّيّتها. وما يجعل هذا السؤال شرعيًّا هو أنّ الذي أجرى طقس العبور إلى المسيحيّة ليس سوى رأس الكنيسة الكاثوليكيّة في العالم البابا بنديكتس السادس عشر، وأنّ الصحفيّ المتنصّر معروف بعدائيّته للإسلام وبمناصرته لإسرائيل والصهيونيّة، إلى حدّ تبنّي الإعلام الإسرائيليّ تسميته بـ”المسلم الصهيونيّ”. وقد استمر علاّم في تهجّمه على الإسلام والمسلمين بعد معموديّته، فوصف الإسلام بالفاشيّة والإرهاب، ممّا دفع الصحيفة الرسميّة الناطقة باسم الفاتيكان “الأبسرفاتوري رومانو” إلى الإعلان أنّها لا تتبنّى تصريحاته هذه.

لسنا نعترض على حرّيّة أيّ كان بأن يختار المعتقد الذي يتناسب وقناعاته الإيمانيّة، وأن ينتقل من حيث هو إلى حيث يريد أن يكون. ولكن أن يحتفى بمعاد لقومه وبني دينه الأصليّ لدى أعلى سلطة دينيّة وأدبيّة في المسيحيّة، وبمناسبة شريفة هي عيد الفصح، لهو أبعد من أن يكون أمرًا بسيطًا وحسب يندرج في إطار قبول الكنيسة لكلّ مَن يرغب في أن يصبح مسيحيًّا بقلبه وفكره ولسانه. ألم يتساءل مَن عمّد علاّم كيف يمكن أن تساهم معموديّة هذا الصهيونيّ المدافع بأيّ ثمن عن الإجرام الإسرائيليّ الذي يُمارس ليس فقط ضدّ مسلمي فلسطين بل أيضًا ضدّ مسيحيّي فلسطين المناضلين في دعم بقائهم في أرضهم المغتصبة. كيف يصبح مسيحيًّا مَن يدعم الدولة التي تضطهد المسيحيّين؟

لا يسعنا إلاّ أن نضع موقف البابا الأخير في سلسلة مواقفه المثيرة للجدل إزاء الإسلام والمسلمين. فمن محاضرته الشهيرة في جامعة ريغنسبورغ الألمانيّة إلى معموديّة علاّم يزداد التساؤل حول مفهوم البابا الحقيقيّ للحوار بين الأديان، وبخاصّة الحوار الإسلاميّ المسيحيّ. عسى أن يكون اللقاء المنتظر بين البابا والشخصيّات الإسلاميّة الموقّعة على وثيقة “كلمة سواء” مناسبة لأرساء مستقبل العلاقات بين أبناء الديانتين العالميّتين على أسس ثابتة قائمة عند الطرفين على المكاشفة والمصارحة المتبادلتين، لا على الازدواجيّة الفاقعة.

 

جريدة “النهار” 4 نيسان 2008

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share