التفرّغ في الجامعة اللبنانيّة هل المعيار طائفيّ أم أكاديميّ؟

الأب جورج مسّوح Sunday May 11, 2008 124

تغتبط حين تقرأ أسماء الأساتذة المتعاقدين الذين تمّ قبولهم في ملاك الجامعة اللبنانيّة، وبخاصّة أنّ أسماء بعض الأصدقاء واردة في اللائحة المنشورة في الصحف. تسارع إلى تهنئتهم، فتفاجأ بأنّ أحدهم قد بلغ سنّ التقاعد القانونيّة منذ ثلاثة أشهر بعد انتظار بلغ حوالى ربع قرن على الأقلّ بسبب الخلل في الكوتات الطائفيّة! مع ذلك تراه فرحًا بهذا التثبيت.

لسنا، هنا، في صدد الحديث عن أحوال أساتذة الجامعات، على الرغم من مأساويّة البعض منها. لكن ما لفتنا في هذه اللائحة التي أقرّها مجلس الوزراء هو اقترانها، في الخبر الصحفيّ، بديانة الأساتذة الذين حالفهم الحظّ بدخول جنّة التفرّغ الأكاديميّ. هكذا، اطّلعنا على أعداد الأساتذة المسيحيّين والمسلمين في كلّيّات ومعاهد الجامعة اللبنانيّة كلّها.

لا ندري ما الرابط بين ديانة الأستاذ أو طائفته، وبين تعيينه في الجامعة. فالانتماء الدينيّ لا يمنح مَن يخصّونه عبقريّة إضافيّة في أحد ميادين العلم أو المعرفة أكثر ممّا يمكن انتماءً دينيًّا آخر أن يمنحه لخاصّته. والعقل هبة مجّانيّة في الأصل يصقلها الاجتهاد وتكريس الذات للعلم والتنسّك للبحوث. ولا دخل للدين والصلاة والتعبّد في تقدّم العلوم وازدهارها، ولا في الترقّي الجامعيّ، ولا في الاختراعات العلميّة والتقنيّة الحديثة. ثمّ ألا ينتقص من جدارة الأستاذ، وإن كان مستحقًّا، أن يكون تعيينه قد تمّ على أساس طائفيّ؟

لكنّنا لا ننسى أنّنا في لبنان حيث يبطل كلّ منطق أمام منطق التمييز الدينيّ والطائفيّ القائم على مختلف المستويات وصولاً إلى رأس الهرم. لذلك، وأيًّا كانت المناسبة، نلمس إصرارًا لدى العديد من اللبنانيّين على معرفة المسيحيّ من المسلم، وكم يبلغ عدد هؤلاء وأولئك، علمًا أنّ الكثيرين من المنتمين إلى الجهتين لا يأبهون البتّة بهذا الانتماء. هم يريدون أن يكونوا مواطنين لبنانيّين وحسب، متساوين في الحقوق والواجبات.

ما يجعلنا نحاذر من هذا الإصرار على التذكير بالانتماء الدينيّ لكلّ لبنانيّ هو سعي البعض إلى ترسيخ الفكرة القائلة بأنّ اللبنانيّين ليسوا أبناء حضارة واحدة بل هم ينتمون إلى حضارتين أو ثقافتين مختلفتين، أو أنّهم ثمرة زواج بين كيانين مختلفين، واحد مسيحيّ والآخر إسلاميّ، ممّا يمكن أن يؤدّي إلى الترويج لمبدإ فيدراليّة الطوائف؟ ليس هناك، في الواقع اليوميّ، ما يشير إلى نقاء الانتماء الوطنيّ في لبنان من دون ربطه بالانتماء الطائفيّ. ويبقى هذا الانتماء الطائفيّ جواز عبور لا بدّ منه للحصول على ما يعتبره المواطن حقًّا طبيعيًّا له. وهذا يعني أنّنا لم نبلغ بعد مستوى المواطنة.

حتّى في المناسبات الوطنيّة الكبرى حيث التقى ملايين اللبنانيّين تحت مظلّة من الشعارات ذات الصدقيّة عند جمهور كبير منهم، لمسنا الإصرار على القول بأنّ المشاركين ينتمون إلى ألوان الطيف اللبنانيّ كلّها. هذا القول صحيح، لكنّه كالسيف ذي الحدّين، فالسؤال الذي يطرأ هو هل هذه التجمّعات، هنا وهناك، هي تجمّعات عمادها المواطن أم عمادها الانتماء الطائفيّ؟ هل هي تجمّعات تتألّف من أفراد مواطنين أم تجمّعات تتألّف من جماعات طائفيّة هي بمثابة أحزاب تشاء اختزال كلّ أبنائها إلى مجرّد أرقام متراكمة أو أوزان ثقيلة تحارب بها الطوائف الأخرى؟

لا يمكن تلازم الانتماءين الوطنيّ والدينيّ في لبنان أن يبني وطنًا خالصًا من كلّ الشوائب. لا يمكن هذا التلازم إلاّ أن يبشّرنا بمزيد من الانحطاط، وبمزيد من أخبار النزاعات والحروب المتفرّقة. أليس مثيرًا للسخرية المرّة أنّ إقالة أحد موظّفي الدولة قد تؤدّي إلى فتنة بين اللبنانيّين عمومًا، وإلى حرب لا تبقي ولا تذر؟

 

جريدة “النهار” 11 أيار 2008

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share