المعلّم بطرس البستاني في “نفير سورية” كم يشبه حاضرنا ماضينا

الأب جورج مسّوح Sunday May 25, 2008 25

أثناء المذابح الطائفيّة التي وقعت في جبل لبنان، كتب المعلّم بطرس البستاني، عام 1860، في دوريّة أنشأها تعقيبًا على الأحداث باسم “نفير سورية” منتقدًا العصبيّات التي حلّت محلّ حبّ الوطن في أفئدة اللبنانيّين، فقال: “ومن شأن هذا المبدأ الخبيث (العصبيّة) أن يتلوّن في كلّ دور بلون، وينتمي إلى ذات معتبرة كقيسيّ ويمنيّ، ثمّ جنبلاطيّ ويزبكيّ. ومن أشنع هيئاته وأقبحها الهيئة التي ظهر بها في هذه السنين القريبة العهد التي انتحل بها ألقابًا قديمة مقدّسة عند أهلها كنصرانيّ ودرزيّ، ثمّ مسلم ومسيحيّ لعلمه بما تحت هذه الألقاب التي كانت ضايعة تحت ألقابه القديمة من القوّة السحريّة الرائعة”.

هذا الكلام عمره قرن ونصف، واللبنانيّون لم يتّعظوا. ولو كان كاتب هذا الكلام حيًّا لأضاف إلى اللائحة سنّيّ وشيعيّ، مارونيّ وأرمنيّ، طريق الجديدة والضاحية الجنوبيّة… وهو نفسه يقول كما لو كان يتنبّأ عن عدم تبصّرنا لما آلت إليه أحوالنا الحاضرة: “يا أبناء الوطن، إنّنا فاتحون أمامنا كتاب أخبار هذه البلاد نقلّب صفحاته ونتفقّد ما جرى فيها من الحوادث لنستدلّ ممّا مضى على ما يأتي”. كأنّ الكاتب عالم بأنّ اللبنانيّين لا يتعلّمون شيئًا من دروس التاريخ لتفادي تكراره على نحو يزداد فيه السوء تصاعدًا.

ويتساءل البستاني مستهجنًا تصرّفات أبناء وطنه: “بماذا نعتذر عن أبناء بلادنا أمام الأجانب غير الغباوة وعدم التمدّن وغلبة شهوة النفس على قوى العقل؟” لا يجد البستاني مبرّرًا للتقاتل بين أبناء بلاده سوى التخلّف وتغييب العقل لصالح الغرائز التي تناقض الطبيعة الإنسانيّة القائمة على حرّيّة الاختيار لا على الانسياق الأعمى إلى الغريزة. لذلك يتابع واصفًا أهل هذه البلاد بأنّهم “لفيف من قبائل شتّى مختلفة المشارب والأمزجة والأغراض والصوالح، أكثرهم لا يهمّهم صالحها العموميّ، وكثيرون منهم لا يشعرون بأنّها وطنهم. وقد وُجدت في موقع متوسّط بين بلادين كثيرًا ما تجاذباها فكانت تميل تارةً إلى اليمين وطورًا إلى اليسار”.

اللبنانيّون لا ينتفعون من دروس التاريخ، هذا ما يكرّره دائمًا بطرس البستاني، فيقول وكأنّه يكتب اليوم: “يا أبناء الوطن، طالما سمعناكم تقولون هذه ثالث خربة في برهة أقلّ من عشرين سنة. فها قد جرّبتم مرّة بعد مرّة الحروب الأهليّة وحسبتم أرباحها وخسايرها. ماذا نتج إلاّ الترمّل واليتم والسفالة والفقر والخراب، دينًا ودنيا، والمذلّة والصغر في أعين العقلاء والأجانب، وتقليل عدد الأيدي التي يتوقّف على كدّها وجدّها عمار البلاد وراحة العباد، وتيتيم البلاد ممّن هم أعقل وأقدر وأغنى وأنبه رجالها”. لم تتغيّر الأحوال، فالهجرة، إلى يومنا الحاضر، نزيف مستمرّ لا يتوقّف. الداء معروف، والدواء موصوف، أمّا الإرادة بالشفاء فمعدومة.

في مقالة أخرى يعود البستاني إلى موضوع الخسائر الناتجة عن الحرب الأهليّة، فيقول إنّ الخسائر المادّيّة يمكن تعويضها، “ولكن توجد خساير لا تقدر ملوك الأرض قاطبةً إذا اجتمعت بكامل رجالها ومالها وتدبيرها وإرادتها أن تعوّض منها حتّى ولا جزءًا صغيرًا. فيا ليت شعري مَن يستطيع أن يرجع أبًا ليتيم أو زوجًا لأرملة أو ابنًا وحيدًا لشيخ عاجز أو ابنة عزيزة لعجوز بايسة”. في الواقع الراهن، إلى أيّ قضاء يتوجّه مَن تضرّر مادّيًّا أو مَن فقد عزيزًا كي يطالب معاقبة الجناة، ونحن في زمن يقال فيه أنّه زمن سيادة القانون؟ أم عدنا إلى الزمن الذي قال فيه الشاعر: قتل امرئ في غابة / جريمةٌ لا تُغتفر. وقتل شعب آمن / مسألة فيها نظر؟

لقد وجدنا في مقالات المعلّم بطرس البستاني التي وقّعها باسم “محبّ للوطن”، خير معبّر عمّا نحياه ونراه في أيّامنا القاتمة هذه. فسياقاتها متشابهة ومتطابقة بشكل صاعق مع سياقات الحاضر. عسى ألاّ يجد أحفادنا وأحفاد أحفادنا في مقالات المعلّم بطرس وفي مقالاتنا ما يشبه أحداث عصرهم الآتي. فنكون، على الأقلّ، قد انتفعنا من دروس التاريخ وعبره، بعد أن عجزنا عن تفادي حتميّاته.

 

جريدة “النهار” 25 أيار 2008

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share