لا توظّفوا المسيح ومريم في أحزابكم الطائفيّة

الأب جورج مسّوح Sunday September 7, 2008 115

يخطئ مَن يظنّ أنّ ثمّة فرقًا منهجيًّا أو ذهنيًّا بين حزبين طائفيّين أو مذهبيّين ينتسبان إلى ديانتين مختلفتين. ليس ثمّة فرق بنيويّ بين مسلم ينتمي إلى حزب مذهبيّ وبين مسيحيّ ينتمي إلى حزب طائفيّ. فكلاهما يستنجد برموزه الإيمانيّة وبتاريخه الدينيّ في سبيل تثبيت مريديه وإغواء المزيد من أبناء الطائفة أو المذهب للانضمام إليه. ولا أحد منهما يرتدع عن استعمال الدين وأبهى ما فيه من أجل الدعاية، ولا سيّما في أوان الانتخابات واستجداء أصوات الناخبين.

أن يستعمل حزب طائفيّ أسماء مؤسّسيه وكبار سياسيه ومنظّريه في الدعاية لنفسه فهذا أمر طبيعيّ. لكنّ استعمال أسماء الله الحسنى وصور السيّد المسيح وأمّه مريم في الدعاية الحزبيّة فلا يسعنا اعتباره إلاّ تعدّيًا على رموز جامعة لا تنتمي إلى فئة دون أخرى. فالمسيح أكبر من أن تحضر صورته على دعاية حزبيّة، وأكبر من أن يتساوى ورجال سياسة وفكر مهما جلّ شأنهم في نظر محازبيهم. ومريم هذه المرأة الناصعة العفيفة أعظم من أن يقحمها حزب في دنس هذا العالم، هي التي اختارت أن تبقى بتولاً منقطعة عن كلّ ما يمكن أن يلطّخ بياض روحها.

“أنتم الأرزة ونحن خطّها الأحمر” عبارة تحتمل تأويلات عدّة. مَن هم “أنتم” ومَن هم “نحن” في العبارة؟ هل المسيح ومريم هما ضمن “أنتم” أم “نحن”؟ فأن يكون المسيح ومريم هما الأرزة والحزب يدافع عنهما، فذلك يناقض الإنجيل الذي يقول إنّ المسيح حين أتى الجند لإلقاء القبض عليه وأسرع أحد تلاميذه وقطع أذن عبد رئيس الكهنة وبّخه يسوع قائلاً: “اردد سيفك إلى غمده فكلّ مَن يأخذ بالسيف بالسيف يهلك. أتظنّ أنّي لا أستطيع أن أسأل أبي فيقيم لي في الحال أكثر من اثني عشر فيلقًا من الملائكة؟”. رفض المسيح أن يتجنّد تلاميذه للدفاع عنه بالقوّة. فضّل المسيح أن يموت على الصليب من أن يحمل تلاميذه السلاح ويقاتلوا المعتدين عليه.

أمّا أن يكون المسيح ومريم هما “الخطّ الأحمر”، بمعنى أنّهما ينتميان إلى هذا الحزب ويدافعان عن لبنان، فحاشا للمسيح أن يكون حزبيًّا منتميًّا إلى حزب ذي عقيدة قوميّة طائفيّة. فقومه اليهود قتلوه لأنّهم رأوا فيه خطرًا على عنصريّتهم القوميّة الدينيّة وعلى استكبارهم على سائر الأقوام المحيطة بهم. قتلوه حين أراد أن يؤنسن الديانة اليهوديّة وأن يفتح أبوابها أمام الأمم. خرج المسيح على قومه لا ليصبح منتميًا إلى قوم آخرين. لم يتخلَّ المسيح عن اليهوديّة ليصبح لبنانيًّا يدافع عن أفكار حزبيّة ما أتى إلاّ ليقضي عليها وعلى كلّ شعور بتفوّق طائفيّ أو عرقيّ أو قوميّ تجاه بني البشر الآخرين. وكلّ فكر يجعل المسيح حكرًا على المسيحيّين أو على فئة منهم هو فكر يناقض المسيحيّة الحقّ، وهو عودة إلى الفكر اليهوديّ المنغلق.

يبقى تأويل آخر وهو أن يكون المقصود بالإعلان الدفاع عن الوجود المسيحيّ في لبنان. فالصحيح أنّ الوجود المسيحيّ يمرّ بأزمة عصيبة كُتب الكثير عن سبل معالجتها وعن سبل تحصين هذا الوجود. غير أنّ الخطر الحقيقيّ الذي يهدّد الوجود المسيحيّ مصدره الأساسيّ وليس الوحيد إسرائيل، ومَن يريد أن يدافع عن الوجود المسيحيّ عليه أن يبدأ من فلسطين، مهد المسيح ومريم. مصدر الخطر على المسيحيّين ليس المسلمين أبناء البلد، والأرقام تتحدّث. فبعد ثلاثة عشر قرنًا من الحكم الإسلاميّ بقي عدد المسيحيّين يشكّل نحو ربع عدد سكان المشرق العربيّ، وستّون سنة من تأسيس الدولة الإسرائيليّة كانت كافية للقضاء على الوجود المسيحيّ في فلسطين.

لم يسئ إلى الوجود المسيحيّ في بلادنا أحد أكثر من الأحزاب الطائفيّة. وما بدأ عدد المسيحيّين في المشرق بالانحدار السريع إلاّ مع نشوء الأحزاب المسيحيّة، وما هجِّر المسيحيّون من ديارهم إلاّ بسبب تلك الأحزاب. لا يحمي الوجود المسيحيّ إلاّ المواطنة، نقيض الطائفيّة، ولا يحصّن هذا الوجود إلاّ بناء دولة المواطن. والمواطنة لا يمكن أن تنتجها أحزاب طائفيّة. فاتركوا المسيح ومريم وشأنهما، ولا تستغلّوا العواطف الدينيّة لعامّة الناس، واعملوا من أجل وطن يحيا فيه ناسه متساوين حقًّا لا نظريًّا بالحقوق والواجبات، فيكون أجركم عظيمًا في السموات.

 

جريدة “النهار” 7 أيلول 2008

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share