الأرثوذكسية تحاور الفرويدية

mjoa Tuesday September 16, 2008 111

حول أطروحة الدكتوراه دولة لكوستي بندلي
مع كوستي بندلي الأرثوذكسية تحاور الفرويدية
حوار أجراه الأستاذ إيلي قطرميز

منذ أن أشرقت “النور” عام 1944، وأطلعت نور معرفتها للعالم، كان اسم الأستاذ كوستي بندلي ملازمًا لها: فهو صاحب امتيازها، وقلما صدر عدد من أعدادها دون أن يكون له فيه بحث قيم يجيب على تساؤلات الشباب الملحة.
ويوم الجمعة 27/11/1981، جرت مناقشة (soutenance) أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها إلى كلية الفلسفة في جامعة ليون الثالثة، وكانت بعنوان “الصور الوالدية والمواقف الدينية”Images parentales et attitudes religieuses وهي بإشراف الأستاذ Léon Husson، ثم العميد François Dagognet ، فنال أثرها شهادة دكتوراه دولة في الآداب والعلوم الإنسانية، بدرجة “شرف رفيع جدًا” Très honorable، من أعضاء اللجنة المناقشة المؤلفة من: الأستاذ  Bourgeois(رئيسًا) والعميد Dagognet (مقررًا)، العميد  Bourgeois، والأستاذ Tricaud والأستاذ Court.

.

فإننا نتقدم من الدكتور كوستي بندلي بأحر التهاني، وننتهز المناسبة السعيدة لنتعرف إلى الحوافز التي دفعت الدكتور كوستي لخوض موضوع أطروحته، وليعرفنا بأهم الموضوعات التي تناولها فيها.

أ. ق.

1- كيف تبلور في ذهنك موضوع الدكتوراه الذي تقدمت به؟
إن الموضوع الذي اتخذته لأطروحتي تبلور في ذهني بناء على هواجس ثلاثة تعتبر أساسية بالنسبة إلي: الهاجس النفسي، الهاجس التربوي والهاجس الديني.

إن ميدان اختصاصي في الأصل هو علم النفس الذي درسته في مدرسة الآداب العليا في بيروت ثم في مدينة ليون بفرنسا، فحصلت على إجازة كمّلتها بتدريب على علم النفس التطبيقي تلقيته أيضا في ليون وتتوج بحصولي على دبلوم في علم النفس التطبيقي من جامعة تلك المدينة. بعد ذلك قمت لمدة سبع سنوات بتدريس علم النفس في مدرسة الآداب العليا في بيروت، وقد تمحورت الدروس التي ألقيتها هناك حول نمو الحياة الانفعالية لدى الطفل في إطار علاقاته المتطورة بوالديه، وهو موضوع تحسست له بنوع خاص إذ كنت أحيا شخصيًا الخبرة الوالدية. إلى جانب هذا التدريس الجامعي، وبعد انقطاعي عنه، كنت ولا أزال استشار مرارًا في حالات نفسية متأزمة يعاني منها أولاد أو شباب أو راشدون. وقد لمست لمس اليد من خلال هذه الخبرة مدى تأثير علاقات الطفل العائلية على توجيه نموه الانفعالي. كما أن خبرتي هذه اغتنت بفضل اللقاءات التي أمنتها عدة إدارات مدرسية بيني وبين أهالي تلامذتـها، مما سمح لي بمشاركة الوالدين في هواجسهم التربوية المتعددة ومساعدتهم على مواجهتها بمزيد من الوعي والصفاء. وقد تغذّت خبرتي النفسية التربوية هذه بالعديد من الاتصالات التي تمت بيني وبين الشباب، أفرادًا وجماعات، حيث كنت أحاول الإجابة عن أسئلتهم التي كان العديد منها يرتبط بالعلاقات بالوالدين وبالمآزم التي تعترض تلك العلاقات. هذا وقد صادفت نفس تلك المآزم، وتأثيرها البالغ، والمأسوي أحيانًا، في إطار مهمة الإرشاد التربوي التي مارستها طيلة أربع سنوات في ثانوية الملعب الرسمية للبنين التي هي مكان عملي منذ ثلاثين عاما.

 

 

هذه الهواجس النفسية التربوية التقت فيّ بهواجس دينية. فأنا عضو منذ 1944 في حركة الشبيبة الأرثوذكسية. وبقدر ما كانت هذه الحركة، ولا تزال، تشدد على ضرورة وضع حد للتباعد القائم بين الإيمان والحياة، كان هذا الموقف حافزًا لي على مواجهة الأسئلة الملحة التي تطرحها العلوم الإنسانية اليوم على الإيمان، تلك الأسئلة التي كنت كمرشد ألمس صداها في التساؤلات القلقة الصادرة عن شباب الحركة في مواجهتهم للتطور السريع الحاصل لمجتمعهم وتحدي الحداثة لبناه وتقاليده. وقد كان من الطبيعي – بداعي اختصاصي – أن أتحسس بشكل خاص للأسئلة الخطيرة التي يطرحها التحليل النفسي على الإيمان، وهي أسئلة كانت ولا تزال تبدو لي ذات أهمية بالغة بسبب اعتناقي للنهج الفرويدي في تحليل الدوافع البشرية وبسبب ما كشفته لي ممارستي السيكولوجية من آثار فادحة، على الصعيدين النفسي والروحي، قد تتركها التربية إذا بنيت على عقد نفسية. إلا إنني كنت أرى بالمقابل أن الطابع العصابي الذي ألصقه المذهب الفرويدي بالدين لا ينطبق بالفعل إلا على الأشكال المنحرفة التي قد يتخذها التدين والتي هي بمثابة تجربته الدائمة.

 من هنا كان الحوار مع فرويد من أهم حوافز بحثي هذا والخط الموجه له، وقد حرصت على أن يكون هذا الحوار حرًا وصريحًا ومنفتحًا.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share