التعييد الجامع للعذراء بالجهاد ضدّ كلّ تمييز

الأب جورج مسّوح Sunday September 28, 2008 22

حسن أن يجد اللبنانيّون في شخص مريم العذراء قاسمًا مشتركًا يجمعهم. وحسن أن يتمّ الإعلان عن اعتبار عيد بشارة السيّدة مريم بابنها الوحيد والواقع في الخامس والعشرين من شهر آذار عيدًا وطنيًّا جامعًا للمسلمين والمسيحيّين معًا. ولا بدّ من شكر كلّ الذين سعوا من أجل تحقيق هذا الأمر وكلّ مَن تبنّى هذه المبادرة ووضعها على سكّة التنفيذ.

أن يحتفي اللبنانيّون بمريم يعني في جملة ما يعنيه أن يتحلّى اللبنانيّون بأخلاق مريم ويتجمّلون بفضائلها ويتزيّنون بنهج حياتها. فاللبنانيّون هم من في حاجة إلى صلوات مريم وتضرّعاتها، لا العكس، ذلك أنّ تكريم اللبنانيّين لها ليس أعظم من تكريم الله لها ولن يضيف لرصيدها شيئًا لدن الله تعالى. ولن نرهق القارئ هنا بالحديث عن شخصيّة مريم وما تحمله من قيم ومُثل عليا، فالمقالات التي تتناول هذه الشؤون أكثر من أن تعدّ أو أن تحصى.

اللبنانيّون إن أرادوا أن يحتفوا بمريم عليهم أن يحتفوا بها كما احتفى بها ابنها السيّد المسيح. فالإنجيل بحسب لوقا يخبرنا أنّ امرأة بعد أن عاينت إحدى معجزات المسيح صرخت مادحة إيّاه: “طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما”. فأجابها يسوع: “بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها” (10، 38-42). المرأة أرادت كما هي الحال عند العامّة امتداح ما هو طبيعيّ وناتج عن الطبيعة، أي التوالد والتناسل والتكاثر، وهذه كلّها ليست بفضائل، إنّما هي محكومة بعوامل بيولوجيّة أو سواها. فصوّب يسوع المسألة نحو وجهة أخرى وأكسبها ما يعلي من شأن الإنسان وخياراته الحرّة. فقال إنّ الطوبى لا ينالها الإنسان بسبب التناسل، بل ينالها مَن ينفّذ كلمة الله ويعمل بموجبها.

ليست القرابة الطبيعيّة بين الأمّ وولدها هي أهمّ ما يربط السيّدة مريم بابنها السيّد المسيح. هي استحقّت الطوبى ليس لأنّها أمّه وحسب، بل بنوع خاصّ لأنّها عملت بمشيئة الله. وهذا ما يؤكّده الإنجيل بحسب متّى حين قال له أحدهم إنّ أمّك وأخوتك يسألون عنك، فأجاب قائلاً: “مَن أمّي ومَن أخوتي؟ فإنّ كلّ مَن يعمل مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمّي” (12، 46-50). ليست المسألة إذًا مسألة عائليّة أو لها صلة بالتوالد وحسب.

اللبنانيّون إن شاؤوا التعييد لمريم عليهم أن يتخلّوا عن التفاخر بالكثير من الأمور التي تشوّه إيمانهم وديانتهم. فالتفاخر اللبنانيّ بالعائليّة أو بالطائفيّة أو بالمذهبيّة أو بالمناطقيّة هو نقيض الحالة المريميّة، ذلك أنّه مجرّد تفاخر بعصبيّة قائمة على اللحم والدم. وابن مريم أتى ليلغي “حاجز العداوة” الذي يفصل بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولا سيّما في المجتمع الواحد. فلا يمكن مَن يستعلي بعائلته ويستكبر بطائفته ويزهو بمذهبه أن يعيّد لمريم تلك المرأة التي تخلّت عن كلّ أمجاد هذه الدنيا الفانية طلبًا للحياة الحقّ.

اللبنانيّون إن شاؤوا التعييد لمريم عليهم أيضًا أن يكتسبوا المزيد من التواضع في تعاملهم بعضهم مع بعض ومع الآخرين. لذلك عليهم الابتعاد عن التعامل باستكبار مع مواطنيهم المختلفين عنهم بالطائفة أو بالمذهب، أو مع الذين يحيون في وطنهم من غير اللبنانيّين. وليس من عيد حقيقيّ يجمع اللبنانيّين قبل أن يجاهدوا جميعًا ضدّ كلّ تمييز طائفيّ أو مذهبيّ أو عرقيّ (السيّدات العاملات في المنازل) أو جنسيّ (حقّ المرأة اللبنانية المتزوّجة من أجنبيّ بإعطاء ابنها جنسيّتها).

لقد تخطّت مريم أمومتها الطبيعيّة ليسوع ابنها بحسب الجسد، لتصير أمًّا للمؤمنين، وبخاصّة بعد أن كرّسها المسيح أمًّا ليوحنا الحبيب، أي أمًّا لكلّ مَن رضي أن يكون حبيبًا ليسوع. واللبنانيّون كي يعيّدوا لمريم عيدًا صحيحًا مدعوون إلى أن يصيروا أحبّة ليسوع. ومَن هو حبيب يسوع الذي ينبغي أن نحبّه سوى الفقير والمريض والجائع والعطشان والأسير والغريب؟ الغريب؟ نعم، فكم بالأحرى إن كان هذا “الغريب” قريبًا لنا في الوطن؟

 

جريدة “النهار” 28 أيلول 2008

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share