أزمة رواية “عزازيل” في مصر لا تخافوا الكتب فالفتنة في الجهل أوّلاً

الأب جورج مسّوح Sunday October 12, 2008 120

بات لدي شوق لقراءة رواية الدكتور يوسف زيدان “عزازيل” الصادرة عن دار الشروق في مصر. وهذا الشوق ليس نابعًا وحده من اطّلاعي على مراجعة كتبها ناقد معروف يحلّل فيها الرواية تحليلاً أدبيًّا ممّا شجّعني على قراءتها، وأنا ممّن يهوون الرواية ويتتبّعون جديدها. الشوق كلّه نابع من الهجوم الذي تعرّض له كاتب الرواية من بعض أساقفة الكنيسة القبطيّة ومدنيّيها. فما من كتاب يروج في المكتبات كالكتاب الذي يهاجمه رجال الدين. لذلك تعلّمنا أن أفضل وسيلة ترويجيّة لكتاب جديد هي أن تهاجمه المؤسّسة الدينيّة، مسيحيّة أو إسلاميّة لا فرق البتّة.

على الرغم من تأكيد الدكتور يوسف زيدان، وهو رئيس قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندريّة، أنّ روايته “عمل أدبيّ”، تعامل رجال الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة معها من منطلقات عقائديّة. فوجد الأنبا بيشوي، سكرتير المجمع المقدّس، أنّ الرواية تتضمّن إساءة للمسيحيّة، وأنّ نيّة الدكتور زيدان “تدمير العقيدة المسيحيّة”. واعتبر القمص عبد المسيح بسيط، أستاذ اللاهوت الدفاعيّ في الكلّيّة الإكليريكيّة، أنّ الرواية “تنتصر للهراطقة وتوجّه هجومًا شديدًا للكنيسة ورمزها القدّيس مرقس”.

أمّا الذريعة التي استند إليها رجال الكنيسة لرفع دعوة قضائيّة يطالبون فيها منع تداول الرواية فهي “درء الفتنة” بين المسلمين والمسيحيّين في مصر، بحسب ما ورد في تصريح لرمسيس نجّار، عضو هيئة مستشاري الكنيسة القبطيّة. وأضاف نجّار قائلاً في إشارة إلى كون كاتب الرواية مسلمًا: “من الممكن جدًّا وسط هذا المناخ الطائفيّ السائد في مصر أن يخرج علينا باحث مسيحيّ برواية للسيرة النبويّة قد تلقى اعتراضات من الجانب الإسلاميّ ونصبح في سباق طائفيّ لا نعرف مدى نهايته”.

لقد شاع أخيرًا عند صدور كتاب جديد كتبه مسلم يتناول فيه موضوعًا مسيحيًّا أو مسيحيّ موضوعًا إسلاميًّا أن تسارع المؤسّسات الدينيّة إلى المطالبة بمنعه بذريعة “درء الفتنة” أو “إثارة النعرات الطائفيّة”. وهذا ما خبرناه عام 2005 مع نشر كتاب العالم الإلمانيّ تيودور نولدكه “تاريخ القرآن” مترجمًا إلى العربيّة، حيث أصدرت إحدى المرجعيّات المذهبيّة في لبنان بيانًا طالبت فيه الأمن العامّ اللبنانيّ بمصادرة الكتاب لأنّه “يثير النعرات الطائفيّة ويمسّ بمشاعر المسلمين”. ومع الإشارة إلى التفاوت في القيمة العلميّة بين رواية زيدان وكتاب نولدكه، لا يسعنا سوى أن نستغرب كيف يمكن كتابًا أن يصنع فتنة أو أن يثير النعرات الطائفيّة في مجتمع يتغنّى أبناؤه ليلاً نهارًا بالوحدة الوطنيّة وبالعيش المشترك؟

أمّا الأنبا موسى، أسقف الشباب وعضو اللجنة المجمعيّة في الكنيسة القبطيّة، فقد كان له موقف إيجابيّ لافت، إذ اعتبر أنّ الكنيسة “مع حرّيّة الفكر والإبداع وترفض مبدأ المصادرة، بل تتّخذ من الحوار مع الآخر وقبوله منهجًا في التعامل ومواجهة القضايا الجدليّة”، ودعا بالوقت عينه إلى مناقشة الكاتب وردّ الحجّة بالحجّة. هذا هو الموقف الراقي الذي ينبغي لرجال الدين تبنّيه، فعصرنا ليس عصر محاكم التفتيش ولا عصر الوصاية الفكريّة للمؤسّسة الدينيّة على المجتمع. ودور رجال الدين يكمن في توعية مريديهم وتنبيههم إلى انحرافات يرونها في ما ينشر هنا وثمّة، ولكنّ سلطتهم الروحيّة والمعنويّة ينبغي ألاّ تتجاوز حدود مؤسّساتهم إلى المجتمع كلّه.

لا شكّ أنّ الوضع الطائفيّ في مصر مثير للقلق، وقد عرض الصديق جورج ناصيف يوم الأربعاء الماضي لهذا الأمر بكلّ موضوعيّة وشفافيّة. غير أنّ معالجة هذا الوضع المهتزّ لا تكون بقمع الكتب، بل بعمل المؤسّستين الدينيّتين اللتين يدين لهما بالولاء عموم الشعب المصريّ، الأزهر والبطريركيّة القبطيّة، على تنشئة شيوخ المساجد وكهنة الكنائس على ثقافة قبول الآخر كي لا تتحوّل المنابر يومي الجمعة والأحد إلى إثارة الفتن، حيث التأثير على العامّة هو الأكبر. الفتنة تخرج من منابر التعليم والوعظ لا من بطون الكتب، الفتنة تذرّ قرونها حيث الجهل وعدم معرفة الآخر كما هو يريد أن يعرّف عن نفسه. المعركة ضدّ الفتنة تبدأ من هناك، فلا تفقدوا البوصلة.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 12 تشرين الأوّل 2008

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share