وجه إنجيلي مُشعّ

mjoa Thursday October 30, 2008 160

وجه إنجيلي مُشعّ
في رائعة أدبية روسية معاصرة
 
تعريف بالرواية
 
        رواية “أولاد الأربات”رائعة أدبية من تأليف الكاتب الروسي أنا تولي ريباكوف. تجري حوادثها سنة 1934، وهي السنة التي بدأ فيها الحكم الستالينيّ يتحوّل إلى مرحلة رهيبة من التفرّد والطغيان. يصوّر لنا الكاتب هذا التحوّل وما أخذ يلقيه على البلاد من ظلال الشكّ والريبة والوشاية والظلم والإرهاب، وفي وسط كلّ ذلك مجموعة من الشباب، هم ” أولاد الأربات ” (والأربات أحد أحياء موسكو)، شبان وشابات يدرسون ويعملون ويلتزمون ويلهون ويحبّون ويحلمون.

.

 ويتأثر واحد منهم، “ساشا” (تصغير اسكندر)، وهو من أفضلهم، بالأجواء السياسية المتلبدّة، فتُجهَض أحلامه وينقلب مصيره رأساً على عقب. بدأ ريباكوف بكتابة روايته سنة 1966، ومنعت الرقابة السوفياتية صدورها حتى سنة 1987. ولكنها، لما ظهرت أخيراً، في ظل الأجواء التحررية التي بدأت تنتشر في عهد “البرسترويكا” التي أطلقها غورباتشيف، أحرزت نجاحاً منقطع النظير فبيع منها مليونا نسخة في الاتحاد السوفياتي وتُرجمت إلى 26 لغة.
ومن ترجمتها الفرنسية الصادرة سنة 1988 بعنوانLes enfants de l’Arbat  استقيتُ هذا المقطع اللافت الذي أحببتُ أن أنقله لقراء نشرة “نبع المحبة”.
 
سياق المقطع: شخصية “ساشا”
        ولكن لا بدَّ، قبل ذلك، ومن أجل وضع المقطع المشار إليه في سياقه، من ذكر بعض ما سبقه من حوادث الرواية، فنتعرّف على شخصية أحد أبطالها، وهو “ساشا”، البالغ من العمر 22 سنة. “ساشا” شاب خلوق، بارز الشخصية، مِقدام، يدرس الهندسة في أحد معاهد الدولة في موسكو وينتمي إلى شلّة من الرفاق والرفيقات، وهو عضو نشيط في منظمة “الكومسومول”Komsomol  (أي الشبيبة الشيوعية) وبالغ الإخلاص لمبادئ حزبه.

ولكنه على قسط كبير من الاستقلال الفكريّ، مما أعطى ذريعة لزبانية النظام لأنْ يتهموه بالضلوع بمؤامرة تصوّر خيال ستالين أن أقطاباً من الحزب يحيكونها ضده وبالتالي ضد البلد والنظام. نتيجة ذلك طُرد “ساشا” من المعهد ثم اعتُقل وحُقق معه، ولما رفض أن يتّهم زوراً نائب مدير معهده، كما اقترحت عليه الشرطة السياسية، حُكم عليه بالإبعاد لثلاثة أعوام إلى مجاهل سيبيريا ليُعاني خلالها من شظف العيش وقسوة المناخ (علماً أنه كان محرّماً عليه نهائياً، بعد انتهاء فترة عقوبته، أن يعود إلى موسكو ليقيم فيها).

 بدأ “ساشا” رحلته الطويلة والشاقة إلى مكان منفاه. ومن محطات هذه الطريق كانت قرية زايمكا حيث توقّف ليقضي الليل في أحد بيوت السكان لقاء أجرٍ يتقاضونه منه. هناك التقى الأب فاسيلي، وهو الشخص الذي أعطى لهذا المقال عنوانه.

 

        هنا سأنقل ما ورد في الرواية. إنما أرى لزاماً عليَّ، قبل مباشرتي بذلك، أن أوضح أن “ساشا” نشأ في ظل الاضطهاد المنظّم الذي شنّه النظام على الكنيسة والذي كانت غايته تقليص الإيمان إلى أبعد حدّ تمهيداً لمحوه نهائياً. لذا لم يتلقَّ “ساشا” تربية دينية وكان، رغم طيبته، غريباً عن أمور الدين.
 
مضمون المقطع: صورة الأب فاسيلي
        كان البيت الذي دخله ساشا في قرية زايمكا، بيتاً قروياً فسيحاً تسكنه امرأة وزوجها وولداهما المتزوجان مع اسرتيهما. قالت ربّة البيت لساشا: “سوف يأتي الأب فاسيلي فتتعشّيان معاً”.

 هنا أعطي الكلام للكاتب:
        “دخل كاهن. كانت له لحية كستنائية فاتحة وكان وجهه رقيقاً كوجه أيقونة. خلع معطفه وجزمته وارتدى جبة للاستعمال الداخليّ. قدّمت ربّة البيت سمكاً مُجفَّفاً وبيضاً مخفوقاً وحليباً. وبينما كان يأكل، سأل الأب فاسيلي ساشا من أين أتى وإلى أين هو ذاهب وأين وُلد ومن هما والداه. وعرَّف عن نفسه أنه أيضاً من المبعَدين. لم يسأل ساشا لماذا حُكم عليه ولم يتحدث عن نفسه.

        “بعد العشاء، انتقلا إلى غرفة مفروشة بسرير وطاولة صغيرة، كان يسكنها الأب فاسيلي. كانت تخيّم على الغرفة رائحة معسولة كما في الكنائس.

        “اقترح الكاهن على ساشا أن: اخلع حذاءَك وخذ حمّاماً لرجلَيك. بعد ذلك سوف تشعر أنك بحالة أفضل.
        “أتى (الكاهن) بقِدر معدنيّ مليء بالماء المغليّ، وبدَست وصابون ومنشفة. وما كاد ساشا يضع رِجليه في الماء حتى استسلم لنعيم عجيب.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share