مؤتمر “حوار الأديان” : الحوار المسيحيّ الإسلاميّ هو الأنجع لمستقبل المسيحيّين العرب

الأب جورج مسّوح Sunday November 16, 2008 120

بعد نحو أربعة أشهر على عقد “المؤتمر العالميّ للحوار” الذي انعقد في مدريد بدعوة من المملكة العربيّة السعوديّة، ينعقد بدعوة من منظمة الأمم المتّحدة وبمبادرة من المملكة السعوديّة “مؤتمر الحوار بين الأديان والحضارات”. وبين المؤتمرين ثمّة تطوّر ظاهريّ لافت يتبدّى في الإشارة الصريحة في عنوان المؤتمر الثاني إلى أطراف الحوار وهي الأديان، فيما تفادى المؤتمر الأوّل الإشارة إلى ذلك خوفًا من المتشدّدين الذين يرفضون أيّ شرعيّة لحوار يجري بين الأديان.

موضوع الحوار بين الأديان ليس جديدًا. فمنذ أكثر من نصف قرن، ولا سيّما بعيد المجمع الفاتيكانيّ الثاني (1965)، بدأت المبادرات الداعية إليه. وقامت هيئات كثيرة، رسميّة وتطوّعيّة، دعت إلى مؤتمرات وندوات ومحاضرات للحوار بين الأديان. وصدرت عن تلك اللقاءات وثائق وبيانات، ودعوات إلى التسامح والسلام، والعمل معًا من أجل عالم أفضل يسوده رجاء جديد للإنسانيّة. إلاّ أنّ الجديد اليوم هو تبنّي الأمم المتّحدة لهذا الصنف من الحوار، وهذا بحدّ ذاته تطوّر هامّ إن تمّ التعامل معه بجدّيّة وعزم كبيرين.

ثمّة دعوات إلى جعل لبنان مركزًا عالميًّا للحوار بين الأديان والثقافات والحضارات. وهذا طموح ممدوح ومحمود، غير أنّ دونه، إن شئنا التحدّث بواقعيّة، عقبات شتّى يأتي على رأسها استحالة الحوار مع ممثلي الديانة اليهوديّة ممّن يمثّلون مواقع دينيّة في الدولة الإسرائيليّة، أو ممّن يعلنون جهارًا تأييدهم للسياسة العنصريّة التي تمارسها إسرائيل في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. هل يستطيع لبنان وضع فيتو على دعوة بعض رجال الدين الإسرائيليّين إلى مؤتمرات حواريّة تُعقد على أراضيه بدعوى أنّ الداعي هو منظمة الأمم المتّحدة؟

لذلك نرى أنّ الحوار بين الأديان على الصعيد العالميّ هو أقلّ نفعًا من الحوار الدينيّ على الصعيد المحلّيّ والذي يعالج قضايا محلّيّة تهمّ المواطنين كافّة. الحوار الثنائي بين المسيحيّة والإسلام هو أكثر نفعًا لنا من حوار بلا سقف وبلا حدود قد يدخلنا في متاهات نحن في غنًى عنها. لبنان مركزًا للحوار الإسلاميّ المسيحيّ على الصعيدين العربيّ أو الإسلاميّ جغرافيًّا هو ما ينبغي أن نطمح إليه، وبخاصّة أنّ لبنان كان هو السبّاق إلى هذا النوع من الحوار المجدي. وثمّة مواضيع تمسّ واقعنا ومستقبلنا ينبغي للمسيحيّين والمسلمين أن يقاربوها بذهنيّة حواريّة، لا تجاوزها من أجل حوار عالميّ كمن يهرب إلى الأمام.

نحن نتوق إلى حوارات إسلاميّة مسيحيّة كتلك التي باشرتها الندوة اللبنانيّة عام 1965 وكان من أركانها المطران جورج خضر والسيّد موسى الصدر والشيخ صبحي الصالح والأب يواكيم مبارك الذين أعلنوا آنذاك أنّ “لبنان هو الموطن المختار لمثل هذا الحوار المسيحيّ الإسلاميّ”، وتعاهدوا على “تحقيق لقاء أخويّ مستمرّ ينهلون خلاله من معين الديانتين العالميّتين وتعمل فيه كلّ فئة بتعاليم دينها جاهدةً في تفهّمها لما انطوت عليه الديانة الأخرى من عبر وعظات ونظم تقرّب الإنسان من أخيه الإنسان”. ينتظرنا إذًا الكثير ممّا ينبغي تحقيقه على الصعيد المحلّيّ قبل الانتقال إلى الدور العالميّ الطموح.

أمّا على الصعيد العربيّ ففي الوقت الذي يمرّ فيه مسيحيّو المنطقة بأزمة مصير بعدما حدث في العراق وفلسطين حيث يكاد أن يصبح الوجود المسيحيّ شبه معدوم، في هذا الوقت الذي يشعر فيه المسيحيّون أنّهم متروكون وحدهم إلى مواجهة مصيرهم هذا تأتي هذه الدعوة إلى الحوار العالميّ. أليس الأجدى دعوة المسلمين والمسيحيّين العرب إلى عقد مؤتمر يشعر فيه المسيحيّون أن حضورهم ما زال همًّا إسلاميًّا وأنّ قضيّة وجودهم هي قضيّة إسلاميّة بقدر ما هي مسيحيّة وبقدر ما هي حضاريّة وثقافيّة ووطنيّة أيضًا؟

لسنا لنناقش هنا غايات المملكة العربيّة السعوديّة من وراء المبادرة إلى الحوار بين الأديان. لكنّنا نريد التذكير بموقف بطريرك عربيّ كبير هو إغناطيوس الرابع هزيم الذي قال أمام القمّة الإسلاميّة المنعقدة في الطائف (1981): “القدس ولبنان في دنيا العرب قطبان وركنان وضرورتان لكلّ سلام”. عندما يحلّ السلام على القدس وعلى لبنان وعلى العراق نكتفي بالحوار الإسلاميّ المسيحيّ. وإلى أن نصلّي معًا في القدس نرجو أن يأتي يوم نرى فيه السعوديّة تقبل بعقد مؤتمرات حواريّة على أراضيها، وأن نرى غير المسلمين يمارسون طقوسهم على أراضيها. ألم يسمح النبيّ لمسيحيّي نجران بالصلاة في داره؟

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 16 تشرين الثاني 2008

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share