إذا حضرت الطائفيّة غاب المواطن

الأب جورج مسّوح Sunday March 15, 2009 85

“من أجل بلد آمن، من أجل طائفة قويّة” شعار يزيّن إعلانًا يتضمّن صورة أحد قادة التيّارات الإسلاميّة، وتحت الصورة نقرأ كلمة “المرجعيّة”. لا ندري إن كان هذا الإعلان دعايةً انتخابيّة أو مجرّد استدراج عروض لعدد من الأصوات الإضافيّة التي يمكن أن يستفيد منها بعض التيّارات السياسيّة المهيمنة على المناطق التي للتيّار الدينيّ المذكور تأثير ما على الناخبين. ولكن ما ندريه هو أنّ هذا الشعار الذي لا ينفرد باستعمال تعابير القوّة يثير سلسلة تساؤلات عن واقع الحال اللبنانيّة على مشارف الانتخابات المقبلة.

قد لا يستغرب البعض شعار “من أجل طائفة قويّة”، فالانتخابات تجري على أساس التمثيل الطائفيّ. لذلك من الطبيعيّ أن تسعى كلّ طائفة إلى انتخاب مَن يمثّلها خير تمثيل، ومَن يدافع عن مصالح أبنائها في إدارات الدولة ومرافقها، ومَن يقدر أن يوظّف العدد الأكبر من أبنائها في ما تبقّى من الدولة، ومَن يجعلها قويّة في وجه المطامع التي يمكن أن تتهدّدها بها الطوائف الأخرى. النظام الطائفيّ اللبنانيّ نظام يسمح لشعارات كهذه أن تسود على حساب الشعارات الوطنيّة الجامعة.

“من أجل طائفة قويّة” شعار يعني أيضًا عدم الاكتراث بأبناء الطوائف الصغيرة الموجودة في الدوائر الانتخابيّة التي يطغى عليها لون طائفيّ واحد. وهذا الكلام ينطبق على دوائر كثيرة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ولسنا نقصد منطقة دون أخرى. وهو شعار يعني أيضًا أنّنا بتنا نحيا “فيدراليّة طوائف” مبطّنة بغلاف وطنيّ لا يستر عيوبها. فالصوت الذي يدعو إلى انتخاب كلّ طائفة نوابها صار صوتًا تألفه آذان اللبنانيّين لا صوتًا نشازًا. وبات مألوفًا جدًّا أن تجد بعض مَن يدّعون انتماءهم إلى ثقافة المجتمع المدنيّ يغالون في مذهبيّتهم ودفاعهم عن حقوق طوائفهم.

“من أجل طائفة قويّة” يعني أيضًا أنّ العدوّ الذي يجب أن نعدّ العدّة لمواجهته ليس عدوًّا خارجيًّا، بل هو الطوائف الأخرى أو إحداها على الأقلّ. العدوّ في الداخل فاتّحدوا يا أبناء كلّ طائفة لمقارعة المواطنين الآخرين لمجد الطائفة الأسمى. والشعار يعقد اتّفاقًا بين عبارتين “من أجل بلد آمن، من أجل طائفة قويّة”. فالبلد ليس آمنًا إن لم تكن الطائفة هي الأقوى. والبلد لن يكون آمنًا إن لم تكن الطائفة هي الأقوى. وامتيازات الطائفة إن تجرّأ أحد على المسّ بها تستأهل أن يخرب البلد ويستباح من أجلها.

أمّا كلمة “المرجعيّة” المستعمَلة في الإعلان فينبغي ألاّ تثير الاستغراب بدورها، فلكلّ طائفة مرجعيّة دينيّة داخل البلاد أو خارجها. ألا نسمع بين الفينة والفينة تذكيرًا أو تنبيهًا بأنّ ثمّة مرجعيّة دينيّة-سياسيّة تسمو فوق جميع اللبنانيّين، وأنّها هي المؤتمنة على الكيان وعلى الوطن، وأنّها تملك حصريًّا التوجّه الصحيح في كلّ شأن؟ ألا يستدعي هذا الزعم ويبرّر في الآن عينه استنساخ كلّ طائفة مرجعيّة لها أو أكثر تجمع بين الدين والسياسة؟ ألا يعني كلّ ذلك أنّ اللبنانيّين يبتعدون عن مفهوم المواطنة وكلّ ما يرتبط بها كي يصبحوا مجموعة طوائف تتناتشها المرجعيّات الدينيّة المختلفة؟

تكسب الطائفة، يخسر الوطن. تقوى الطائفة، يضعف الوطن. تحضر الطائفيّة، يغيب المواطن. تتنامى العصبيّة الطائفيّة والمذهبيّة، تتقهقر العصبيّة الوطنيّة. أمّا نحن، المواطنين وحسب، فنتوق إلى مواطن قويّ بحقوقه مؤدّيًا واجباته. نتوق إلى وطن قويّ يتساوى فيه جميع أبنائه إلى أيّ طائفة أو جنس أو لغة انتموا. نتوق إلى دولة قويّة بدستورها وقوانينها، وحصينة بمؤسّساتها التي لا تخضع للتحاصص الطائفيّ والمذهبيّ. والتاريخ علّمنا أنّ الطوائف القويّة لم تضّحي يومًا من أجل مصلحة وطنيّة جامعة، بل من أجل مصالحها الضيّقة. والحروب المتتالية التي شهدها لبنان عبر قرنين كافية لتهدينا إلى عدم الوقوع فيها كلّ فترة من السنين. آن للعقل أن يغلب الجهل، فلعلّكم تعقلون.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 15 آذار 2009

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share