تعليقًا على مقالة محمّد السّماك إشارة محمودة إلى المواطنة

الأب جورج مسّوح Sunday March 22, 2009 95

لم تفاجئنا مقالة الأستاذ محمّد السمّاك المنشورة في “النهار” يوم الأحد الماضي. فصاحبها اعتاد اتّخاذ المواقف الصريحة والجريئة، وبخاصّة في الأوقات الحرجة والأزمنة العصيبة. ومقالته “لو احترم المسلمون وصايا الرسول لما احتاج المسيحيّون إلى حماية” لا تضع الإصبع على جراح العلاقات المسيحيّة الإسلاميّة وحسب، بل تغوص في عمق الأزمة الحاضرة وتبرز أسبابها الدفينة، وتفتح آفاقًا لحلول مستقبليّة واعدة. لذلك تستحق أن تكون بابًا إلى نقاش يتّسع لكلّ المهتمّين بهذا الشأن المصيريّ.

نوافق محمّد السماك على قوله إنّ “الحديث عن دور المسلمين في حماية المسلمين في العراق (أو في غيره من بلاد العرب) مثير للقلق”، معتبرًا أنّ “حماية (الجميع من مسلمين ومسيحيّين) يجب أن يوفّرها القانون من حيث هو رمز لسلطة الدولة”. ونوافقه رأيه حين يدعو من الناحية الوطنيّة والإنسانيّة “التي تجمع المسلمين والمسيحيّين معًا تحت مظلّة الوطن الواحد والمصير الواحد وفي إطار المساواة في الحقوق والواجبات” إلى اعتماد المواطنة أساسًا صالحًا لبناء علاقات سويّة بين المسلمين والمسيحيّين في أوطانهم المشتركة. وتستأهل إشارة السمّاك إلى المواطنة تحيّة كبرى، ولا سيّما أنّ أحد المثقّفين المسلمين سخر مؤخّرًا من مفهوم المواطنة إذ اعتبره “هاجسًا أقلّويًّا مسيحيًّا” وليس إشكاليّة إسلاميّة.

الدولة والمواطنة، إذًا، هما الشرطان الأساسيّان لقيام علاقة مستقيمة بين المسلمين والمسيحيّين. واستقامة الدولة شرطها المواطنة. وما سقوط الدولة، بالمعنى السليم للدولة، إلاّ بسبب غياب المواطنة، وطغيان الديكتاتوريّات العسكريّة والدينيّة في معظم البلدان العربيّة، ومديح الدولة الطائفيّة التمييزيّة في لبنان، وسلب الفلسطينيّين حقوقهم… سقوط المواطنة هو لبّ المشكلة. وإذا كانت الدولة تبدأ بالقوانين الناظمة لحياة المواطنين، فلنبادر إلى سنّ قوانين مدنيّة لا دينيّة، فالدين تمييزيّ بأصوله وفروعه، أمّا المواطنة فمساواة تامّة. ولا يمكننا استعارة مفهوم ظهر بفضل الحداثة الأوروبيّة، هو مفهوم المواطنة، فنستعمله بعد تفريغه من مضامينه. فإمّا أن نأخذ بالشكل والمضمون معًا، وإمّا نرميهما معًا.

ويذكّر محمّد السمّاك في مقالته المذكورة بوصايا النبيّ محمّد بحسن التعامل مع أهل الكتاب بعامّة، ومع النصارى بخاصّة. وهذا التذكير ربّما يكون نافعًا في سياق تنبيه المسلمين إلى ضرورة تصويب العلاقات مع المسيحيّين لكي تصبح أكثر انسجامًا مع تعاليم الرسول. غير أنّنا نرى أنّ المفاهيم الإسلاميّة في ما يخصّ الدولة والتعامل مع غير المسلمين في الدولة الإسلاميّة تثير القلق لدى الكثير من المسلمين والمسيحيّين على السواء. فالمجتمعات تطوّرت وتبدّلت، وفيما يخصّ الحكم وتشريعاته ليس بالضرورة صالحًا اليوم ما كان صالحًا بالأمس. من هنا، تنشأ الحاجة إلى قيام منظومة فقهيّة إسلاميّة متجدّدة تأخذ في عين الاعتبار المفاهيم الجديدة، كالوطن والمواطنة والدولة الحديثة وسواها، لتأصيلها في الفكر الإسلاميّ. عدا ذلك يبقى الكلام عن المواطنة في عالم المُثل لا في عالم الواقع.

“العمل معًا مسلمين ومسيحيّين” قول يمثّل القاعدة المثلى لتلمّس الطريق إلى حلّ مشاكلنا. فليس ثمّة حلّ يأتي به طرف واحد. الأزمة عميمة، وأزمة المسلمين هي أزمة المسيحيّين، والعكس صحيح أيضًا. ولا نهضة ممكنة لطرف من دون الآخر. من هنا تكمن أهمّيّة التفكّر المشترك مع الأخذ بعين الاعتبار والاحترام هواجس الآخرين والإصغاء إليهم، والسعي الجدّيّ إلى تذليل كلّ العقبات التي تعيق تحسين العلاقات.

محمّد السمّاك، أمين عامّ اللجنة الوطنيّة للحوار الإسلاميّ المسيحيّ في لبنان، وعضو الفريق العربيّ الإسلاميّ المسيحيّ للحوار الذي أصدر مؤخّرًا وثيقة “الاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيّين”، والحاضر الدائم في غالبيّة المنتديات الحواريّة العربيّة والعالميّة، كرّس حياته وفكره وقلبه للسعي إلى علاقات فضلى بين المسيحيّين والمسلمين. هو المؤمن بتلازم المسارين الإسلاميّ والمسيحيّ عسى أن يلاقي صوته صدًى طيّبًا يساهم في تحوّل العقول والأفئدة.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 22 آذار 2009

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share