الفيلم الوثائقيّ “الإمام والقسّ” نموذج حيّ للمصالحة تؤسّسه التوبة

الأب جورج مسّوح Sunday May 31, 2009 117

يقدّم الفيلم الوثائقيّ “الإمام والقسّ” نموذجًا راقيًا عن كيفيّة صنع السلام في بلد عانى أهله من حرب طائفيّة ذهب ضحيّتها عشرات الآلاف من القتلى. فالفيلم يعرض لشهادة الإمام محمّد أشافا والقسّ جيمس ويي اللذين جاهدا في سبيل إنهاء النـزاع وإرساء المصالحة في وطنهما نيجيريا، عبر تأسيسهما معًا “مركز الوساطة الدينيّة الإسلاميّة المسيحيّة”. واللافت أنّ الإمام والقسّ توصّلا إلى هذه القناعة بضرورة صنع السلام بعد أن انخرط أحدهما في الميليشيا الإسلاميّة والآخر في الميليشيا المسيحيّة وتقاتلا في معسكرين متقابلين، وبعد أن فقد القسّ ذراعه في إحدى المعارك، وبعد أن سقط من أقارب الإمام بعض أهله ومعلّمه الدينيّ.

يستلهم الإمام والقسّ في حديثيهما الآيات القرآنيّة والإنجيليّة التي تحثّ المؤمنين على السعي إلى السلام وكره البغضاء ونبذ العنف وقبول التنوّع الدينيّ في المجتمعات المختلطة. لذلك تراهما ينتقيان النصوص الدينيّة المنفتحة التي تدعو إلى الحوار والتسامح والغفران والاحترام المتبادل. فالإمام يذكر الآية القرآنيّة: “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم” (سورة فصّلت، 34). أمّا القسّ فيذكر أنّ المرء لا يمكنه أن يكون مسيحيًّا إلاّ إذا صار على مثال المسيح “أمير السلام”.

ثمّة دروس وعبر كثيرة في هذا الفيلم نراها، نحن اللبنانيّين، وعلى الرغم من اعتبارنا أنفسنا نموذجًا يحتذى في الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، نافعةً لنا. نعم، ثمّة في هذه التجربة النيجيريّة ما ينفعنا. فعام 2004 عمّت الأحداث الطائفيّة إحدى المناطق وارتكبت الميليشيات مجازر متفرقة وتمّ دفن القتلى في مقابر جماعيّة، وبدا أنّ عهد السلام بات مستحيلاً. غير أنّ الإمام والقسّ بدآ مساعيهما لجمع الفريقين، وأثمرت هذه المساعي أثمرت مهرجانًا للسلام أتت إليه حشود ضخمة من كلّ الطوائف للاحتفال بالمصالحة والاتّفاق على العيش معًا. وتمّ في هذا المهرجان إعلان وثيقة تتضمّن عهدًا لسلام دائم.

غير أنّ ما يميز هذه التجربة النيجيريّة ويجعلها رائدة هو اعتذار الفئة الجانية بلسان قائدها من أهالي الضحايا، وقبول ذوي الضحايا هذا الاعتذار. لم يكن اعتذارًا خطابيًّا ولا إنشائيًّا ولا تبريريًّا، بل اعتذار شجاع وتوبة حقيقيّة مترافقان مع قصد قويّ وعزم لا يتزعزع ببناء مستقبل أفضل لن يشهد ما شهده الماضي من مآس وويلات. أمّا ذروة الفيلم، في رأينا، فتكمن في اعتذار رجال الدين – واعتذار هؤلاء مستحيل عندنا! – لتسبّبهم بإذكاء نار الفتنة الطائفيّة عبر خطبهم التي حرّضت على العنف. ولم يغفل الفيلم التذكير بأنّ الدين لا علاقة له بما جرى، وهذا صحيح. فالدين حمّال أوجه ويستطيع رجال الدين أن يأخذوا بالوجه الذي يريدونه من أقصى الانفتاح إلى أقصى التشدّد والتطرّف.

وتعاهد القسّ والإمام أيضًا على العمل معًا لاستباق المشاكل التي يمكن أن تصل إلى حدّ إراقة الدماء، وحلّها قبل فوات الأوان. وقد رأيا في الصور النمطيّة عن الآخر عائقًا يمنع التقارب والتلاقي. وفي هذا الصدد قال القسّ ويي إنّه بقي يظنّ أنّ المسلمين متعصّبون إلى أن زاره بعض المسلمين لتعزيّته بوفاة والدته، ثمّ قام هو بزيارة الإمام في مسجده، وشيئًا فشيئًا تمّ بناء الثقة بينهما، وهما اليوم صديقان لا يفترقان من أجل ترسيخ السلام والأمان بين المسلمين والمسيحيّين في بلدهما.

لا بدّ، في آخر الكلام، من التنويه بمؤسّسة “أديان” الفتيّة، والتي تعرّف بنفسها أنّها “مؤسّسة لبنانيّة للدراسات الدينيّة والتضامن الروحيّ”، وعلى رأسها الأب فادي ضو، والتي استضافت الإمام والقسّ النيجيريّين ونظمت لقاءات عدّة لهما مع اللبنانيّين، وهي تتولّى توزيع الفيلم في لبنان والعالم العربيّ. “ليس التبشير بالمسيح كلاميًّا، بل بعيش الكلمة” يقول القسّ، “أطلب من كلّ مسلم أن يكون عاملاً للسلام” يقول الإمام. هما نموذج حيّ، عسى أن يتكرّر وينتشر في كلّ مكان يشهد صراعات طائفيّة.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 31 أيار 2009

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share