“وعود الإعلام” لخريستو المرّ لنصالح الإعلام مع الحرّيّة

الأب جورج مسّوح Sunday June 28, 2009 68

يعود بنا خريستو المرّ في كتابه “وعود الإعلام وأوهام الحرّيّة، المسيح والتحرير” (تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة للنشر والتوزيع، 2009) إلى الزمن الحلو، زمن الالتزام المسيحيّ الحقيقيّ بشؤون الأرض والناس. ذلك الزمن الغابر الذي كانت فيه الأحلام ليست أوهامًا، بل حثّ على الجهاد الدائم في سبيل تحقيق هذه الأحلام التي آمن مَن سعى إلى جعلها واقعًا أنّها ليست مستحيلة التحقيق. ذلك الزمن الجميل، زمن النضال الحقيقيّ في سبيل تحرير اللاهوت من الروحانيّات البحتة ونقله إلى حيزّ الواقع والفعل في حياة الناس والأوطان.

يتناول خريستو المرّ في كتابه بالبحث والتحليل العديد من الإشكاليّات الناشئة عن مدى انسجام وسائل الإعلام المعاصر مع البند التاسع عشر من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي يقرّ أنّ “لكلّ شخص الحقّ في حرّيّة الرأي والتعبير”. هو، إذًا، بحث في أخلاقيّات الإعلام المعاصر انطلاقًا ممّا كوّنه الكاتب من بنى فكريّة أخلاقيّة عمادها الفكر المسيحيّ القديم والحديث. لذلك يمكننا أن نعتبر هذا الكتاب دراسةً في الأخلاق المسيحيّة عبر نموذج تعامل وسائل الإعلام مع حرّيّة التعبير.

طبعًا لا يكتفي الكاتب بالتنظير اللاهوتيّ أو الفكريّ المحضّ، بل يغوص في تفاصيل عمل وسائل الإعلام موفّرًا لقارئه الكثير من الأمثلة والاستشهادات المستلّة من كبار المفكّرين والمختصّين بمراقبة وسائل الإعلام، والمشهود لهم بمقارعة الهيمنة التمويليّة للشركات الكبرى، والسيادة المتسلّطة لأصحاب الحكم والقرار. هو عمل يريد أن يكون توثيقيًّا أيضًا، إذ أنّه يضمّ المئات من الإحالات النافعة لمن يريد أن يستزيد عمقًا في متابعة هذا الموضوع إلى أقصى مدًى ممكن.

يحاجج خريستو المرّ في كتابه مَن يزعمون إطلاقيّة حرّيّة التعبير في وسائل الإعلام، فيفنّد أقوالهم، ويُظهر أنّ وسائل الإعلام محكومة، هنا وثمّة، بغضّ نظرها عن تجاوزات عديدة في سبيل مصلحتها واستمراريّتها. ويتناول المرّ بالتفصيل المعوّقات التي تحول دون أن تكون وسائل الإعلام مخلصة في تنفيذها لمتطلّبات حرّيّة التعبير لديها، ويأتي في رأس هذه المعوّقات سلطة الماسكين بالإعلان وذوي النفوذ في الدولة أو في وسائل الإعلام عينها. ثمّ يتناول علاقة وسائل الإعلام بالمستخدم، فيحذّر الكاتب من الدور الذي تؤدّيه بعض وسائل الإعلام في “تدجين” المواطن المتلقّي و”إخضاعه” لقبول رأيها الذي يكمن فيه أحيانًا إنكار للمعلومة الحقيقيّة (وتلويث المعلومات بحسب قوله) أو إخفاء لهذه الحقيقة أو تمويه لها، وكلّ ذلك في سبيل تحويل الانتباه عن الحقيقة إلى ما يخالفها. وهنا يعطي خريستو المرّ مثلين عن الحالة اللبنانيّة في تمويه الحقائق وبمساهمة الوسائل الإعلاميّة، هما الطائفيّة والدَّين العامّ.

ثمّ يعرض الكاتب لإشكاليّة حرّيّة التعبير بإزاء “الخبز”، ويعني بالخبز الفقر بكلّ أشكاله. فاذا تعني حرّيّة التعبير بالنسبة إلى الفقراء والجائعين الذين هم في حاجة ماسّة إلى تأمين قوتهم وقوت عيالهم؟ ويشير هنا إلى مسؤوليّة البلدان الصناعيّة عن استفحال الفقر، وكيف تساهم وسائل الإعلام في نصرة الأثرياء وإهمال قضايا البلدان دون مستوى حدّ الفقر. وبطبيعة الحال يصل إلى الخلاصة المنطقيّة بأنّ لا حرّيّة بدون خبز في الأنظمة الديمقراطيّة، ولا خبز بدون حرّيّة في الأنظمة الديكتاتوريّة. وهذان وجهان لعملة واحدة.

يستلهم خريستو المرّ في كتابه، هو الذي لم يدرس اللاهوت في المعاهد اللاهوتيّة، آباءه وآباء الكثيرين من أترابه، هؤلاء المفكّرين الكبار في الأرثوذكسيّة، ككوستي بندلي معلّمه في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، والمطران جورج خضر، والفيلسوف نقولا برديايف والكاتب الملحميّ فيودور دوستويفسكي، بالإضافة إلى غيرهم ممّن رأوا في الإنسان محورًا للكون الزائل ومسكنًا مجيدًا لله في الآن عينه. فبناء على ما رسمه هؤلاء جميعًا يدعو الكاتب في تضاعيف كتابه إلى مقاومة هذا التضليل الذي يزيّن للناس ما هو باطل، عبر تعاون الكنيسة والمجتمع المدنيّ من أجل الخبز والحرّيّة معًا. مع أمثال خريستو المرّ سنستفيق يومًا وأحلامنا واقع بهيّ.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 28 حزيران 2009

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share