قبح الواقع وتحسين الصورة

الأب جورج مسّوح Sunday May 9, 2010 84

يطيب للناس أن يروا صورتهم عن ذاتهم برّاقة لا يشوبها أيّ ذرّة غبار أو خدش طفيف. ويزداد هذا الحرص لديهم حين يتعلّق الأمر بالحديث عن هويّاتهم الوطنيّة أو القوميّة أو الدينيّة. وإذا ما اقتصر كلامنا على الموضوع الدينيّ نجد أنّ تحسين الصورة عن الذات أمر سليم، شرط عدم تقبيح صورة الآخر. لكن لا بدّ أيضًا من إجراء نقد عميق ودقيق لهذه الصورة الذاتيّة كي لا تصبح منافية للواقع أو مناقضة له في أحيان كثيرة.

غالبًا ما يلجأ بعضهم إلى الاستنجاد بالنصوص الدينيّة التأسيسيّة، أو بسير الأبطال والقدّيسين والأولياء والأبرار والصالحين، أو بأقوال هؤلاء الشخصيّات العظمى، أو بتاريخهم الغابر، أو بمساهمات أبناء ديانتهم الحضاريّة والثقافيّة والعلميّة، كي يُبعدوا أيّ اتّهام أو ظنّ يأتيهم من خارج بما آل إليه واقعهم الراهن. فيهربون من واقع أليم يتحدّاهم إلى تاريخ مجيد عبر ولن ينفعهم تذكّره والتحجّج به. ولا غرو أن تكون حقب الانحطاط هي الحقب التي يكثر فيها هذا الاستنجاد بالأجداد والآباء وبأعمالهم الحميدة. فكلّما أوغلنا في التقهقهر عن العصر كلّما تنامى هذا الشعور بالعظمة والخيلاء على سائر الناس.

ويقع هؤلاء البعض في فخّ التماهي ما بين الديانة أو الطائفة في بهاء صورتها التي شاءها المؤسّس أو المؤسّسون من جهة، وما بين واقعها التاريخيّ والراهن. فيتمّ إسقاط صورة حسنة للجماعة الدينيّة، بناءً على النصوص التأسيسيّة، هي صورة مغايرة للواقع وبعيدة جدًّا عمّا تقوله الخبرة التاريخيّة. فما خلا بعض القدّيسين لم يرتقِ المسيحيّون، مثلاً، ووفق الخبرة التاريخيّة، إلى مثال السيد المسيح وتعاليمه عن المحبّة والسلام ونبذ العنف. ومن النافل القول إنّه لمن الظلم الحكم على المسيحيّة من خلال ما قام به المسيحيّون عبر تاريخهم الطويل. وهذا الكلام يصحّ أيضًا عن الديانات الأخرى. غير أنّ الاعتراف بانحراف الخبرة التاريخيّة للديانات يساعد، بلا شكّ، في النأي بهذه الديانات من الوقوع ثانية في الأخطاء ذاتها اليوم.

يطغى في بعض منتديات الحوار الإسلاميّ المسيحيّ، أو الحوار بين أبناء الديانة الواحدة باختلاف مذاهبهم وكنائسهم، أو الحوار الداخليّ بين أبناء الكنيسة الواحدة أو المذهب الواحد، هذا النمط من الخطابات التحسينيّة المستعادة والمكرّرة. فكم من مرّة استمعنا إلى مطوّلات كلاميّة لا تتناول الواقع ولا مشكلاته، بل تملي على السامعين الضجرين أوراقًا مليئة بالاستشهادات الكتابيّة يستطيع العديد من الحاضرين أن يكتبوا مثيلاً لها أو ربّما أفضل منها. فهاجس تحسين الصورة الذاتيّة يطغى على المحاضرين، لذلك تراهم يسارعون إلى انتقاء الآيات الدينيّة الداعمة لهذا التحسين، والابتعاد عن الخوض في واقع المتديّنين الذين لا يرتقون إلى هذا الصورة المشرقة. وتكثر في هذه المنتديات الممنوعات التي يمكن تناولها بالعرض والتحليل، فللحوار حدود حمراء لا يمكن تجاوزها، وبخاصّة في حال التعرّض لواقع هؤلاء المتديّنين!

لا يمكن الوصول إلى حلول للمشكلات الناتجة عن الخطاب الدينيّ المعاصر عبر تحسين الصورة الذاتيّة، بل عبر العمل على خطاب جديد يقوم على نقد الخبرات الدينيّة القديمة، والعمل في الآن عينه على الوعي الدينيّ الانفتاحيّ والقابل الآخر المختلف كما هو. فلدرء الفتنة الطائفيّة أو المذهبيّة التي تذرّ قرونها في مختلف بلدان العالم العربيّ لا يكفي القول بأنّ المسيحيّة والإسلام يمجّان العنف والتقاتل الداخليّ، أو بأنّ السنّة والشيعة إخوة في الإيمان وحرام قتال الإخوة، بل منع هذه الفتنة يتطلّب مواجهة مع الجهل والتخلّف ومع استغلال العامل الدينيّ والطائفيّ في الصراعات الداخليّة، من دون إغفال دور الدولة في طمأنة الناس بأنّهم يحيون في ظلّ دولة عادلة تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات لدى المواطنين كافّة.

يكفي العيش في الأوهام. فعوض تحسين الصورة الدينيّة مع الإبقاء على قبح الواقع، ينبغي الإقرار بهيمنة هذا القبح في سبيل تحسينه عبر اجتهادات تضعنا على السكّة الصحيحة، فيكون لنا الغد ويكون لنا أفضل.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 9 أيار 2010

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share