الاقتداء بالقدّيسين أفضل عيد لهم

الأب جورج مسّوح Sunday July 18, 2010 90

يحظى بعض القدّيسين لدى عامّة الشعب بمكانة فائقة، فيما لا يحظى بعضهم الآخر بسوى مكانة متواضعة. أمّا القدّيسون أصحاب الحظوة، في شرقنا، فنستدلّ عليهم عبر أسمائهم التي أطلقها الناس على العدد الأكبر من الكنائس والمواليد الجدد، وعبر الاحتفاء الجماهيريّ بأعيادهم، ورفع أيقوناتهم ونصب تماثيلهم في البيوت ومداخل العمارات ونواصي الشوارع. ولعلّ القدّيس إيليّا النبيّ (عيده بعد يومين)، المعروف لدى العامّة باسم “مار إلياس”، هو أحد أبرز هؤلاء المحظيّين إلى جانب “مار جرجس” والقدّيس يوحنّا المعمدان، ووالدة الإله السيّدة مريم البتول التي تحتلّ المرتبة الأولى بلا منازع.

إكرام القدّيسين، وبخاصّة الشهداء، ليس حديث العهد في المسيحيّة، بل يرقى إلى القرون الأولى. وما إكرام القدّيسين إلاّ نتيجةً لطاعتهم كلمة الله قولاً وفكرًا وفعلاً، أمّا العبادة فلا تليق إلاّ بالله وحده. غير أنّ الممارسة السائدة لدى العامّة تخلط أحيانًا كثيرة ما بين الإكرام والعبادة، وهذا عن غير قصد أو عن جهل. فالعديد من الناس تراهم يخاطبون القدّيسين كما يخاطبون الإله الواحد. ومن العبارات التي يكثر استعمالها على ألسنة هؤلاء: “أنا أتعبّد لمريم”، أو “أنا أتعبّد لمار إلياس”… وقد قرأت ذات مرّة يافطة عليها العبارة الآتية: “أنا عبدك يا مار إلياس”.

صحيح أنّ الكنيستين الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة تعتقدان بشفاعة القدّيسين، إلاّ أنّهما تقرّان بأنّ المسيح هو المخلّص الوحيد. ولكون الكنيسة شركة إيمانيّة تضمّ الأحياء والراقدين، يطلب الأحياء من الراقدين الأبرار الذين هم أحياء، “فالله إله أحياء وليس إله أموات”، أن يشفعوا إلى الربّ من أجل خلاصهم. الشفاعة، إذًا، ليست سوى شركة صلاة بين المجاهدين روحيًّا في عالم اليوم والذين سبقوهم إلى المجد الإلهيّ. لكنّ شفاعة القدّيسين ينبغي ألاّ تنسي المؤمنين أنّ هؤلاء القدّيسين لم يصبحوا شفعاء إلاّ بعد أن عاشوا على عبادة الله وحده من دون إشراك به، على مثال مريم التي قالت لملاك البشارة: “أنا أمة الربّ”، أو مار إلياس الذي صرخ نحو الربّ قائلاً: “إنّي أنا عبدك”.

في المقابل، نلاحظ توجّهًا لدى العديد من الناس نحو أنماط وثنيّة من التعييد. فبينما تشكل الخدم الكنسيّة من صلوات وقداديس الجوّ الطبيعيّ للعيد، تجد بعضهم ينصرفون عن الاحتفالات الكنسيّة لينهمكوا بالمفرقعات والأسهم الناريّة والولائم والاحتفالات الدنيويّة والبيع والشراء. وثمّة أعياد لا يهتمّ فيها الناس إلاّ بتناول “الهريسة” أو ما شابه من مأكولات شعبيّة. ويصل بعضهم إلى حدّ الابتذال، ففي باحة إحدى الكنائس أقيمت “حفلة راقصة” لمناسبة عيد “رقاد السيّدة العذراء”، فكيف يستقيم الرقص مع الرقاد ومع العذراء؟

وعوض أن يتّخذ المؤمنون القدّيسين قدوةً لهم، فالرسول بولس يقول: “اقتدوا بي كما أنا بالمسيح”، نراهم يجعلون القدّيسين على هواهم. فمار إلياس الذي أدرك أنّ الله يرفض العنف، إذ إنّ “الربّ لم يكن في الريح، ولم يكن في الزلزلة، ولم يكن في النار”، بل كان في النسيم اللطيف، يصرّ بعضهم على تصويره وتمثيله ممتشقًا سيفًا يقطر دمًا وحاملاً بيده رأسًا مبتورةً لأحد كهنة البعل. وقد قال لي أحد المؤمنين تعليقًا على هذا المشهد الدمويّ الذي يرعب الكبار والصغار: “كيف يمكن أن تتناغم هذه الأيقونة الدمويّة مع مشهد يسوع المسيح باذلاً نفسه على الصليب حبًّا بالعالم كلّه؟”، هذا الصليب الذي رفعه بعضهم شعارًا لحروبهم. الأيقونة الأرثوذكسيّة الأكثر انسجامًا مع تراث المسيحيّة الروحيّ هي تلك التي تصوّر مار إلياس جالسًا في الصحراء، والغراب على كتفه جالبًا له الطعام.

“حيّ هو الربّ الذي أنا واقف أمامه”، هي صرخة مار إلياس الدائمة. وقد صرخها في وجه أبناء قومه الذين آثروا عبادة البعل على عبادة الله. والبعل لم يمت بعد، تتبدّل صورته من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. صحيح أنّ الناس، وليس بالضرورة كلّهم، في عصرنا الحاضر لا تصنع أصنامًا أو تماثيل من حجارة لتعبدها، لكنّها ما زالت تعبد تحت أشكال عديدة “إله الحرب”، و”إله المال”، و”إله الخصوبة”، و”إله الخمر”، و”إلهة الجمال”، وإله كلّ شهوة.

كان مار إلياس “إنسانًا قابل الآلام مثلنا” وفق ما ورد في رسالة القدّيس يعقوب. وهو ارتقى إلى القداسة بفضل صفات عدّة تحلّى بها منها: قوّة الإيمان، وثبات العزيمة، والثقة المطلقة بالله والطاعة لكلمته. الاقتداء بمار إلياس، أو بسواه من القدّيسين، هو الطريقة المثلى للتعييد له.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 18 تموز 2010

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share