معرفة متبادلة أم جهل منشود؟

الأب جورج مسّوح Sunday August 22, 2010 96

ما كان ليتغيّر الوضع لو قرّرت إحدى المحطّات التلفزيونيّة “المسيحيّة” عرض مسلسل عن سيرة “النبيّ محمّد” من وجهة نظر لا تأخذ بعين الاعتبار المعتقد الإسلاميّ ورؤيته لشخصيّة النبيّ المؤسّس. فالمتديّنون، يقودونهم فقهاؤهم وكهّانهم، لا يطيقون أن يقول أحدهم قولاً يخالف قولهم، أو أن يعتقد بعضهم ما لا يعتقدونه هم. هنا لا تختلف المؤسّسات الناطقة باسم الديانات عن الأنظمة الشموليّة التي لا تقبل برأي مغاير لرأيها، فتقمع كلّ مَن تسوّل له نفسه أن يجاهر بما يخالف روايتها الرسميّة المعتمدة.

مسلسل “السيّد المسيح”، الذي تمّ إيقاف بثّه بسبب الخوف من فتنة طائفيّة، يعرض الرواية الإسلاميّة لسيرة “عيسى بن مريم”. وتستند هذه الرواية على النصّ القرآنيّ وعلى كتب التراث الإسلاميّ. أمّا إنجيل برنابا المزوّر، وليس المنحول، الذي قال بعضهم إنّ المسلسل يعتمد عليه في روايته لسيرة المسيح، فهو يستعيد الرواية الإسلاميّة إذ إنّ إنجيل برنابا قد دوّن في أوروبا بعد نشأة الإسلام بقرون سبعة على الأقلّ، لذلك قلنا إنّه إنجيل مزوّر وليس منحولاً، ذلك أنّ تعبير “منحول” يختصّ بالأناجيل والرسائل التي ظهرت في القرنين الأوّلين للمسيحيّة. لذلك، تنتفي كلّ قيمة تاريخيّة أو علميّة لهذا الإنجيل المزوّر.

المسلسل يستند إذًا إلى الرواية الإسلاميّة، ومن حقّ المسلمين أن يطّلعوا على سيرة نبيّ عظيم من أنبيائهم، هو وفق اعتقادهم “المسيح عيسى بن مريم” الحقيقيّ، من دون أن يخالفوا معتقدهم به. كما يحقّ للمسيحيّين أن يطّلعوا على سيرة مسيحهم الذي يؤمنون بأنّه الإله الذي قد تجسّد وصُلب وقام من بين الأموات، وبأنّه الفادي والمخلّص، وثمّة مئات الأفلام والمسلسلات التي تناولت هذه السيرة وفقًا للأناجيل الأربعة. ولكنّنا نعتقد أنّ من واجبات المسلمين أنّ يعرفوا ما يقوله الإيمان المسيحيّ عن المسيح، وبالمنطق ذاته نعتقد أنّ من واجبات المسيحيّين أن يعرفوا ما يقوله الإسلام عن المسيح.

بيد أنّ ماسكي أمور المؤسّسات الدينيّة يخافون على رعاياهم، لأنّهم لم يهتمّوا في تعليمهم بتعميم المعرفة ومحبّة المعرفة، بل اقتصر دورهم على تلقين هؤلاء الرعايا التعليم الرسميّ وحسب وتحصينهم ضدّ كلّ ما يمكن أن يثير لديهم الحسّ النقديّ أو التساؤل المعرفيّ. فبدلاً من العمل معًا، مسلمين ومسيحيّين، على التأسيس لكتاب تربويّ موحّد يُدرج في مناهج المرحلة الثانويّة، على سبيل المثال، غايته التعريف بالديانتين المسيحيّة والإسلاميّة وبعقائدها وبسير أهمّ شخصيّاتها وبشعائرها وبعباداتها وأركانها وقيمها الأخلاقيّة والاجتماعيّة وفق ما تريد كلّ من الديانتين أن تقدّم نفسها، نراهم يوصدون الأبواب دون كلّ إمكانيّة للمعرفة عن الذات وعن الآخر.

هكذا يبدو أنّ ما يسمّى احترام التنوّع الدينيّ يضع خطوطًا حمرًا ومتاريس طائفيّة أكثر ممّا يفتح آفاقًا جديدة للانفتاح على وجهات النظر الأخرى. التنوّع، كما نراه في هذا السياق، يثبّت الجهل المتبادل والصور المنمّطة والمسبقة عن الآخر المختلف دينيًّا. فيما التنوّع يفترض أن يحترم كلّ طرف وجهة نظر الآخر ولو خالفت جوهر تعاليمه الدينيّة. فرأي الإسلام العقائديّ عن المسيح معروف ولن يتغيّر، كما أنّ موقع المسيح لن يتغيّر في المسيحيّة إلى أن يحلّ اليوم الآخر. فأين الفتنة ولماذا التهديد بها؟ وما الضرر في أن تعرف العامّة الفرق بين الديانتين؟ ولماذا ثمّة تمييز بين العامّة والخاصّة في الشأن الدينيّ؟ لماذا ثمّة علماء وثمّة جهلاء؟

في الواقع، عبّرت ردود الفعل على المسلسل عن قلق وجوديّ عميق عند أصحابها، كما أثارت في الوقت عينه قلقًا كبيرًا لدى شريحة كبرى من الناس. فمَن طالب بإيقاف المسلسل ربطه بالإعداد للسينودس المقبل في شأن الوجود المسيحيّ في الشرق، وكأنّه أراد الإيحاء بأنّ هذا المسلسل يهدّد ليس فقط السلم الأهليّ في لبنان، بل إنّه يهدّد الوجود المسيحيّ من مصر إلى إيران! هذا دليل على أزمة يمرّ بها مَن اختار الانكفاء والتقوقع على حساب المواجهة بالمعرفة والحضور الفاعل. فالوجود المسيحيّ في الشرق لا يهدّده مسلسل، مهما كانت نيّات منتجيه، ولا يهدّده كتاب أو مقالة. ما يهدّد هذا الوجود إنّما هو ذهنيّة التحريم والفكر الأحاديّ والاطمئنان إلى الجهل.

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 22 آب 2010

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share