لحضور مسيحيّ فاعل

الأب جورج مسّوح Sunday September 26, 2010 92

بات المسيحيّون في لبنان يفاخرون الدنيا برفعهم على إحدى قمم بلادهم الشاهقة “أطول صليب مضاء في العالم”. ويبلغ طول هذا الصليب نحو أربعة وسبعين مترًا، وعرضه سبعة وثلاثين مترًا، ويزن مائة وسبعين طنًّا من الفولاذ، ويرتكز على قاعدة تحتوي على ستّمائة متر مكعّب من الإسمنت وخمسين طنًّا من الحديد، ويضاء بألف وثمانمائة كشّاف ضوئيّ. وعلمنا أنّ ثمّة هدفًا روحيًّا ساميًا يكمن وراء هذا المشروع الضخم، كإنشاء مركز للرياضات الروحيّة والتأمّلات والصلاة، وترسيخ الإيمان لدى الزائرين.

غير أنّ ما لفت انتباهنا، في هذا الصدد، هو الحديث عن السياحة الدينيّة وجذب السيّاح من مختلف أصقاع العالم. وإذ ندرك مشروعيّة هذا الكلام من وجهة نظر اقتصاديّة واستثماريّة، لا يسعنا إلاّ أن نتساءل عن أهمّيّته على صعيد إقناع المسيحيّين بالبقاء في أرضهم التي شهدت ولادتهم ونشأتهم. وأكثر ما نخشاه هو أن تبقى المعالم الدينيّة قائمة ومجرّد شاهد على وجود تاريخيّ عريق، فيما يستمرّ البشر، ولدوافع متعدّدة، في الرحيل والهجرة إلى حيث الأمان وراحة البال.

حين كنت طالبًا في باريس، أي من حوالى عشرين عامًا، شاهدت تقريرًا تلفزيونيًّا عن وضع المسيحيّين في “الأراضي المقدّسة” عرض فيه صاحب التقرير أرقامًا مقلقة لأعداد المسيحيّين وأطلق جرس الإنذار لاحتمال اضمحلالهم قريبًا. وظهر في التقرير أحد الوزراء الفرنسيّين الذي عبّر بصراحة متناهية عن عدم أهمّيّة اندثار المسيحيّين الفلسطينيّين وتشتّتهم في بلاد العالم كافّة، وذلك لأنّ أفواج السيّاح المسيحيّين ستستمرّ في الحجّ إلى فلسطين بعامّة والقدس بخاصّة، وهكذا يدوم الحضور المسيحيّ في البلاد التي ولد فيها السيّد المسيح! ففي وجود الحجّاج لا حاجة لمقيمين.

هذا التصريح الذي أدلى به سعادة الوزير الهانئ في بلده ودياره، وغير المعني بحقوق الناس الذين يريدون البقاء في ديارهم نموذج عن عدم اكتراث غربيّ بمستقبل المسيحيّين العرب إلى أيّ وطن انتموا. فما يهمّهم، وعذرًا على تكرار ما هو بديهيّ، مستقبل إسرائيل والاستيلاء على حقول النفط وثروات هذه المنطقة. فمنذ الحملات الصليبيّة لم يكترث هذا الغرب للمسيحيّين الشرقيّين، فاضطهدهم وخلع بطاركتهم ومطارنتهم عن كراسيهم الكنسيّة. وهل اكترثت فرنسا، حليفة أتاتورك، لطرد الروم من أنطاكية وإزمير وسواهما، ولتهجير السريان والأرمن من بلاد تُعتبر بحقّ مهد المسيحيّة الحضاريّ؟

يأتي السيّاح الدينيّون إلى بلادنا لزيارة آثار المسيحيّة الأولى، وبلادنا ثريّة بها، ولزيارة المتاحف، ومنها كنائس أضحت متاحف لأنّها خلت، أو تكاد أن تخلو من العابدين. من كنيسة المهد في بيت لحم إلى طريق الجلجلة وجبل الزيتون وقبر المسيح وكنيسة القيامة في القدس. من كبادوكية ومغاورها الشاهدة على حضور مسيحيّ قديم كان مزدهرًا، إلى كنيسة آجيّا صوفيّا في القسطنطينيّة، اسطنبول الحاليّة، التي تحوّلت إلى مسجد تحت الحكم العثمانيّ ثمّ إلى متحف، مرورًا بماردين وطور عابدين وأنطاكية العزيزة التي ينتمي إليها غالبيّة المسيحيّين الشرقيّين.

هذه المواقع كلّها لم تقدر أن تحافظ على الوجود المسيحيّ. قبر المسيح لم يمنع الدولة الصهيونيّة من اقتلاع الفلسطينيّين، مسيحيّين ومسلمين، من بيوتهم وأماكن استقرارهم. وقديمًا انقرض المسيحيّون في بلاد المغرب العربيّ، تلك البلاد التي شهدت نهضة مسيحيّة ما زالت تطبع إلى اليوم اللاهوت المسيحيّ في الشرق والغرب. وانقرضت المسيحيّة في شبه الجزيرة العربيّة بعامّة، على الرغم من الحضور المسيحيّ الكثيف.

ليس موضوعنا شرعيّة أم عدم شرعيّة نصب صليب ضخم على قمّة أحد الجبال في لبنان. ما يعنينا أكثر هو تعزيز الحضور المسيحيّ في بلاد الشرق كلّها. وما السينودس الموعود إلاّ محطّة نرجو أن تكون حاسمة في الإجابة على المشاكل التي يعاني منها المسيحيّون، ولا سيّما الشباب منهم، ومواجهة التحدّيات التي يواجهونها على الصعيد اليوميّ والحياتيّ. ولا يكفي في هذا المجال الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الصلاة وحسب، بل ينبغي ابتكار وسائل فاعلة تدعم عدم تفكير هؤلاء بالهجرة والبحث عن ظروف أفضل في بلاد الله الواسعة. رغبتنا الصميمة ألاّ نرى بلادنا تتحوّل من بلاد يقطنها جزءٌ عزيز منها، هم المسيحيّون، إلى بلاد تستقبل سيّاحًا يزورون أماكن مسيحيّة من دون مسيحيّين.

الأب جورج مسّوح

“النهار”، 26 أيلول 2010

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share