لماذا مركز جديد للحوار ؟

الأب جورج مسّوح Sunday December 12, 2010 5

مولود جديد ينضمّ إلى عائلة مراكز الدراسات الإسلاميّة-المسيحيّة في لبنان، هو المركز الذي افتتحته الأسبوع الفائت مطرانيّة صيدا للروم الكاثوليك. فمباركة للمولود الجديد رؤيته للنور، راجين أن يتمّم ما لم تهتمّ به المراكز التي سبقته إلى العمل في هذا الميدان. وهذا ليس انتقاصًا من الجهود التي بذلتها تلك المراكز، بل لكون كلّ منها قد تميّز عن سواه بناحية معيّنة أو بنواح عدّة، أو تركّز جهده في ميدان دون آخر. ومع العلم بأنّ هذا المركز لا ينتمي إلى مؤسّسة جامعيّة، لكنّه يمنح شهادات بالاتّفاق مع الجامعة اليسوعيّة في بيروت، ما يسهم في توفير فرصة لأبناء الجنوب للتخصّص في ميدان العلاقات الإسلاميّة-المسيحيّة.

الميزة الأولى التي نراها في هذا المركز هو انتماؤه إلى مؤسّسة دينيّة يقوم على رأسها أسقف مثقّف وأستاذ جامعيّ بالآن عينه. لذلك نفترض أن يكون البعد الرعائيّ، أي العملانيّ، حاضرًا في فكر القائمين على المركز. فتأتي الدراسات المطلوبة لتلبّي حاجيّات البيئة المحيطة بعامّة، والمواطنين بخاصّة، فلا تكون محض فكريّة أو نظريّة. وفي السياق الرعائيّ نفسه، يمكن أن يقوم المركز بتثقيف رجال الدين، مسلمين ومسيحيّين، على واقع العلاقات الإسلاميّة-المسيحيّة وأهمّيّة الحوار كي يعمل هؤلاء بدورهم على بثّ الوعي في المساجد والكنائس. من هنا ضرورة وجود شركاء مسلمين يسهمون في وضع البرامج اللازمة لتفعيل التقارب بين المسلمين والمسيحيّين.

“تعزيز العيش المشترك” عبارة تكرّرت كثيرًا في الكلمات التي ألقيت في حفل الافتتاح. ولا غرو في أنّنا سوف نظلّ نتحدّث عن العيش المشترك والنموذج اللبنانيّ المضيء في العيش المشترك طالما هناك مشكلات وأزمات تعطّل هذا العيش المشترك. فقط عندما تغيب هذه العبارة عن أفواهنا نكون قد وصلنا حقًّا إلى العيش المشترك الحقيقيّ. من هنا، نرى أنّ المركز الصيداويّ مدعوّ، بالإضافة إلى الأبحاث والدراسات والندوات والمحاضرات التي تتناول هذا الموضوع، إلى أعمال ميدانيّة على الأرض تعزّز قولاً وفعلاً العيش المشترك، إلى حلقات دراسيّة صيفيّة تستمرّ أيّامًا عدّة، ومخيّمات شبابيّة وسواها من الأنشطة التي تجمع الجيل الناشئ على قضايا وطنيّة أو اجتماعيّة أو ثقافيّة.

يبقى موضوع استمراريّة الوجود المسيحيّ ودور المسيحيّين في المشرق العربيّ هو الموضوع الأبرز. ولا يخفى على أحد أنّ افتتاح هذا المركز يأتي مباشرة عقب انتهاء أعمال السينودس الأخير الذي حثّ المسيحيّين على الصمود في أوطانهم، والشهادة للمسيح وكنيسته. هنا تكمن أهمّيّة البحث عن دور المركز، وتاليًا كلّ المراكز الكنسيّة الأخرى، في المساهمة بوضع الخطط اللازمة والبرامج المرافقة لتنفيذ مقرّرات السينودس كي لا تبقى حبرًا على ورق. كما يستطيع المركز، ضمن السياق عينه، العمل على تنفيذ ما ورد في الإرشاد الرسوليّ من أجل لبنان (1997) الذي يتحدّث برجاء كبير، في معرض كلامه على الحوار الإسلاميّ-المسيحيّ، عن لبنان “الرسالة”.

على الرغم من وفرة مراكز الدراسات المسيحيّة الإسلاميّة في لبنان ثمّة مكان لمركز جديد، أو لمراكز جديدة تعطي الأولويّة للعامل المناطقيّ في تناولها للمواضيع التي تُخضعها للبحث والدرس. فالخبرات الحواريّة تختلف بين منطقة وأخرى، وفق انتماءات سكّانها الطائفيّة والمذهبيّة ووفق انتماءاتهم الريفيّة أو المدينيّة، كما تختلف، على سبيل المثال، الخبرات السنّيّة-الأرثوذكسيّة في بيروت عن الخبرات المارونيّة-الدرزيّة في جبل لبنان. وهنا يجدر بالمركز البحث عن خصوصيّات الجنوب بعامّة، وصيدا بخاصّة، في العيش المشترك والعمل على ترسيخها في البيئة المحلّيّة ثم الوطنيّة العامّة.

صحيح أنّ آباءنا وأجدادنا، مسيحيّين ومسلمين، لم يكونوا بحاجة إلى مراكز دراسات وأبحاث كي يحيوا معًا أوقات السرّاء والضرّاء، وكي يواجهوا جنبًا إلى جنب المصير الواحد في مواجهة الأخطار الداهمة. هم لم يتحدّثوا عن عيش مشترك، ولم يبحثوا عن صيغة تآلفيّة لهذا العيش، ولم يصدروا بيانات مشتركة. هم عاشوا العيش المشترك. عاشوا وحسب. غير أنّ المشكلات الراهنة، التي تضغط على رقاب جميع القاطنين هذه البلاد المباركة، تفرض على المهتمّين بديمومة العلاقات المسيحيّة-الإسلاميّة أن يسعوا بكلّ قواهم من أجل التأسيس لغد مشرق يحيا فيه المسيحيّ والمسلم متحابّين وناسيين مقولة العيش المشترك إلى الأبد.

 

الأب جورج مسّوح

“النهار”،12 كانون الأول 2010

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share