كلمة الأمين العام في عيد الحركة في مركز البترون

mjoa Sunday May 8, 2011 321

المسيح قام.

سيدّي المطران جورج،

الآباء الأجلاء أخي رئيس المركز،

أيها الأحبة،

لا يزيدنا أن تتراكم السنون في عمر الحركة. ولا يزيدنا أن نُحيي ذكرى الانطلاقة مستذكرين تاريخاً لنا عبرَ وحسب. يزيدنـا أن تقودنا المناسبة إلى أن نراكم تلك المحبّة، التي فاضت في المؤسّسين، في نفوسنا، نحن اليوم، لنُثمر بها حركـة الغد إلى يسوع. يزيدنا ونحن في ضياء قيامة المسيح، أن ننقص نحن ويزيد هو، أن نراكم عشقنا للقيامـة في كلّ يوم من يوميات حياتنا، ونرصف بشائرها في كلّ وجه من وجوهها، لنكسر عتبة الموت ونُزيل ما يُعيق عبورنا الى الحياة الحقّة وملاقاة الربّ الناهض من القبر.

لذا الذكرى التي نُحييها اليوم هي مُناسبةٌ لمزيد من التأهّل والثبات في البنوّة للروح، “فالحركة ابنة الروح”، ويُرتجى أن نكون، نحن الحركيّين شهوده. وشهادتنا هي، على ما نطق بها المطران جورج خضر غداة تأسيس الحركة، “أن ندخل الى أعماق الكنيسة، ونحمل الروح كما حمله الرسل ونسير بوداعة وطهارة نحو خلاص العالم ونقهر العالم بسلاح الروح”.

أيها الأحبة، لا تختلف شهادتنا اليوم عن تلك التي كانت بالأمس، فمسيحنا هو هو وهويّتنا هي هي وما قيل قد قيل. غير أن هذا لا يتعارض مع القول أن التأهّل لهذا الشهادة تختلف متطلّباته اليوم عمّا كانت عليه بالأمس، وأن سبلها ولغتها، اليوم، تختلفان. فالعالم الذي يُرتجى أن نطلّ عليه بيسوع المسيح زادت قدراته وإبداعاته وإمكاناته واهتماماته وأزماته وحاجته الى أن يتحرّر بفكر المسيح في أكثر من ميدان وصعيد. وكذلك لا يتعارض مع ملاحظة أنّ ما يُرتجى لنا من دور وحضور في الجماعة الكنسية تتمايز معالمه وقنواته عمّا كانت عليه بالأمس. فالواقع الكهنوتيّ تغيّر، ونشكر الله على بعض حالات التغيير هذه، والأزمات في وجه الكنيسة المؤسّساتي تكثر أو تختلف أقلّه لجهة ما يُشكّك الناس من ضعفات في السلوك وأخطاء في المفاهيم ونُدرة الوداعة رغم كثرة الفهم والعلوم.

هذا دون أن أتجاهل، أولاً، ما علينا وأهمّه أن جدّيـة الالتزام في وسطنا الحركيّ، جدّية جهادنا في الربّ وله، تبقى غير ما نصبو إليه جميعاً رغم ومضات جميلة نشكر الربّ عليها. أبدأ منطلقاً من هذا الصعيد لأقول أن الهوية الحركية هي هويّة حياة ومسلك في المسيح، وأن التزام يسوع المسيح سبيلاً الى اقتناء الروح القدس هو، أساساً، التزام شخصيّ، والشهادة له هي، أولاً، شهادة كلّ شخص. المؤسسّسة جسم مُكلّسٌ فارغ من الروح ما لم يمُلئ روحاً وحيويةً من حيوية أبنائها والروح الذي فيهم. والجماعة، ما لم تكن جماعة ملتزمين وشركة، هي طائفةٌ من الناس وتراكم بشر. فأن يكون كلّ حركيّ مُصلّياً، صوّاماً، عشيراً للكتاب المقدّس، متفاعلاً مع الكلمة وفكر الآباء وإبناً للتقليد، أو أقلّه أن يُلحظ سعيه النافر الى هذا، هو مدخل الزاميّ، لا مدخل غيره، إلى صدقية كلّ حضور لنا وشهادة والطريق الذي لا بدّ منه لثبات الحركة والثبات فيها. لكنّني أضف، اليوم، أساساً مُغيّباً لم يكن يوماً أقلّ أهمّية بل مكمّلاً. وهو أن يكون كلّ حركيّ مُهتمّاً، أيضاً، بشؤون الابداع الانساني ومعنيّاً بما يعني العالم والحياة، مُحباً للبشر، مُتفاعلاً معهم، مُشاركاً لهم في همومهم، وباحثاً، معهم، عما يُقيمهم في مزيد من التألّق والعدالة والحريّة الانسانية وسلام الله.

فأن لا نكون من العالم ونحن فيه، لا يعني أن نهرب منه ونترفّع عمّا يقوده ليكون أقرب الى الخلاص. بل يعني أن نكون فيه حاضرين، فاعلين، بنسيج إيمانيّ يختلف عن النسيج الدنيوي ويرتقي عنه، وفكر مسيحي وسعي خلاصي يتناقضان والفكر الدهريّ والسعي المصلحيّ. لا أخفي عنكم أن ما يسود بعض واقعنا الحركيّ والكنسيّ من فكر متحفيّ يجنح إلى جعل المؤمنين أسرى الطقوس وجدران الكنائس ومفاهيم مُجزّأة للروح ولكلّ ما هو روحيّ سيجعلنا وكنيستنا، ما لم يواجَه، أعجز من أن نلبّي ما تقتضيه البشارة بيسوع اليوم . نحن لسنا جماعة متديّنةً تخاف التاريخ. نحن جماعة مؤمنةٌ تستوعب التاريخ وتقتحمه بنور مسيحها وفكره لأن إلهنا أكبر منه. فلا يظنّن أحدٌ أن عيشنا في العالم، وتفاعلنا مع همومه، يُبطل تكرّسنا للربّ أو يقلّل من شأنه في حياتنا، بل، على العكس من ذلك، فإنه يُكسب سيرتنا الايمانية في المسيح بُعداً تجسّدياً ركيزته أن كلّ مطلات الحياة مضمومةٌ بين يديه على الصليب. ولا يُقنعنّ أحدٌ أن التكرّس للربّ مرهونٌ بموهبة وخدمة وشهادة مُحدّدة ومكان عيش. فكلّ من يحيا للربّ هو مُكرّسُ. كلّ من لبس المسيح، وعاش له وبه، واقتنى فكره وعمّد به قلبه وعقله وحياته هو مُكرّس له أينما عاش وأياً كانت خدمته. وكلّ من غفل عن الربّ ولم يتحرّر من أناه بقي أسير ذاته ومُكرّساً لها أياً كان.

علّ أن تحلّينا، وجميع المعنيين الفاعلين في الشأن الكنسيّ، بهذا المفهوم، مُضافاً الى ثقة كلّ موهبة في الكنيسة باخلاص الأخرى، يُسهّل علينا تحقيق ما تأخرنا كثيراً في تحقيقه، ألا وهو ما يجمع الكلّ في ورشة تأمّل وتفكير بما على كنيستنا أن تواجهه وتقوله وتقوم به إزاء أحوال مجتمعاتنا وأزمات عالمنا وإنجازاته. تأخرّنا كثيراً والعالم سبقنا في أخذ الناس الى أن يكونوا أكثر غربة عن المسيح وبُعداً عن التزامه. فما الذي علينا القيام به لنقرّب أجيال اليوم من حياة الكنيسة والرب وكيف نُعالج ما يساهم في إبعاد هذه الأجيال؟ وماذا نقول، مثالاً وليس حصراً، عن سعي الناس، المشهود اليوم، إلى التحرّر والعدالة والانفتاح الانسانيّ، وكيف نفعّل ما نقول بما يحفظ خصوصيتنا الايمانية؟ وكيف نتحرّر من داء اللامبالاة ونتعامل مع مشهد الموت الكثيف المنبسط أمام أعيننا كلّ ليلة. وماذا عن الاستهلاك، الذي يُثقل كاهل الأبناء، والجنس والمساكنة والمثلية الجنسية وغيرها، وإن بدت عناوين مكررّة.

وجه التحدّي في هذا كلّه أن الله سيسالنا، إن لم نبادر، عن تهمّيشنا للمسيح عن ضمائر الناس وليس عن ذواتنا وحسب. ومواجهة هذا التحدّي هي، في حقيقة الأمر، أكبر من إمكانات وقدرات أيّ مسؤول، أو نُخبة منفردة. إنها تتطلّب تعاضداً بين مُختلف الطاقات، رعاة ومؤمنين، لا أرى سبيلاً الى أن يكون حقّاً ومُثمراً بغير أن نتواضع ونداوي ذواتنا من داء التفرّد السائد في حياتنا الكنسية، أكان على مستوى الأشخاص أم على صعيد الجماعة. فلنبادر، رحمةً بكنيسة الغد، إلى ما يجعل من وحدتنا في الكأس الواحدة، وشركوية كنيستنا، فعلاً ممتداً في واحتنا الايمانية على أصعدة القيادة والتفكير والتخطيط والتنفيذ والمال.

هذا الفعل نرتجيه، أولاً، على صعيدنا الحركيّ لنطلّ به نموذجاً ومثالاً. من انتمى منّا الى حركة الشبيبة الأرثوذكسية إنّما انتمى الى شركة أنطاكية شغوفة بالوحدة وبمدى الكنيسة الارثوذكسية في العالم. ومن انتمى الى محلّياته الحركية، دون هذا الأفق، إنّما انتمى إلى ما هو دون ما تتطلّع إليه الحركة وتسعى.

سرّ الحركة هو في هذا الشغف بالوحدة في المسيح. سرّها في غنى الشركة، فيه، تلك التي تجلّت في الاجتماع الأولّ للمؤسّسين والتفكير الأوّلي بها. فُكّر بها في بيروت واللاذقية في آن، وولدت من رحم واحد في كلّ مكان. هذه الشركة نراها تحيا وتستمرّ في ما يجمع المسؤول الحركيّ بالجماعة، وما يضمّ الفروع الى المراكز، وما يلمّ المراكز، بعضها الى بعض، عبر الأمانة العامّة. سرّها، باختصار، هو في هذا التخلّي، الفردي والجماعي، عن كلّ أنا. بممارستنا هذا السرّ نقترب من المسيح عبر حركته.

يا أحبّة، أخيراً يبقى أمامنا الرجاء بأن تظلّلنا إمامة المطران جورج وحضوره في وسطنا أعواماً عديدة بعد، وأختم، إزاء كلّ ما يواجهنا ويُطلب منّا، بمشاركة سيادته الصلاة التي أطلقها، يوماً من أجل الحركـة مُتضرّعاً الى الربّ:

” بالأمس كنّا مُحتاجين إلى حكمة الحيّات واليوم نحن بحاجة الى وداعة الحمام تلك التي تجعلنا نغضب ولا نُخطئ. إحفظنا يا ربّ من الشرير. إنا عالمون أن كنيستك هي هناك، حيث لا نفوذ ولا قصور، حيث تنفجر الينابيع لإرواء اليابسة”.

والسلام

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share