كلمة الاخ البير لحام في الذكرى الاولى لرقاد الاب الياس مرقس

ألبير لحام Saturday February 25, 2012 179

صاحب السيادة

آبائي، أخواتي، إخوتي

تعود معرفتي بالأب الياس “مرسيل مرقص” إلى تشرين الأول 1941 عندما دخلنا – المطران جورج خضر و أنا- معهد الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت وكنا قد عقدنا العزم في تموز 1941 على تأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسية. فإذا بالأخ الطيب الذكر المرحوم جبرائيل سعادة يأتي من اللاذقية لدراسة الحقوق في المعهد ذاته و يطلعنا على أنه، ومرسيل مرقص، قد قررا في تموز 1941 (وربما في اليوم ذاته من تموز 1941) تأسيس حركة النهوض (أو “التقويم”) الأرثوذكسي mouvement de redressement orthodoxe  وهدفها، كما صوره مرسيل مرقص في رسالة إلى جبرائيل سعادة ” أن تقوّم الأمة الأرثوذكسية بإنجيل يسوع المسيح ومحبته لأننا نريد كنيسته متلألئة بالروح ملتهبة بالحب الإلهي “.

و توحدت الحركتان لوحدة الهدف ووحدة النهج النهضوي وكان مرسيل قلب الحركة النابض في اللاذقية واجتمع حوله عدد من الشباب المثقف ومن طلاب المدارس وانتشر عبق نهضة اللاذقية في سائر مراكز الحركة، فاضحت ندعوها “لاذقية قلبنا” أما حركة طرابلس فكانت تتغنى مُرنمة: “طرابلس واللاذقية متّحدتان كلياً في المسيح”.

و كان حلم الحركة – و ما زال – أن تجد الحركة في الكنيسة الأنطاكية المُقدسة سيرة المسيحيين الأوائل الذين كانوا مواظبين بقلب واحد على تعليم الرسل وحياة الشركة وكسر الخبز والصلاة (أع 2 : 42) والشهادة لقيامة الرب

وكان – وما زال – الكتاب المقدس محور اجتماعاتنا، نعتبره رسالة شخصية موجهة لكل منا وللكنيسة جمعاء، نسعى إلى تطبيقها في حياتنا الروحية والزمنية، مُجددين التعهدات التي قطعناها للرب يسوع والنِعم التي حصلنا عليها بالمعمودية والميرون وسر الشكر.

إلاّ أنّه سُرعان ما تبين للذين انضموا إلى الحركة أن الرب يطلب منا أن نسلم له ذواتنا بالكلية، أن نحبه ونُطيعه بكل قلبنا وبكل نفسنا وبكل فكرنا وبكل قدرتنا، وألا نُحب أحداً – أباً أو أماً أو ابناً أو ابنة – أكثر منه وأن نتّحد به اتحاد أعضاء الجسد برأسه واتحاد الأغصان بالكرمة حتى تسري فينا حياتُه.

و رأى البعض أن “هذا الكلام صعب” (يو6: 6) فلم يتابعوا الجهاد.

وقَبِلَ آخرونُ الدعوة والنداء بحماسٍ وفرحٍ إلاّ أن هموم الدنيا وخيراتها ومسؤولياتها أبعدتهم عن مُتابعة الجهاد، لكنهم حفظوا في نفوسهم صورة المحبة الأولى على رجاء أن يقبل الرب ما تعلموه ومارسوه زمن انتمائهم الحركي.

وَوقَعت كلمة الرب في قلوب الكثيرين الذين عقدوا النيّة على أن يؤسسوا – بحسب ما استطاعوا – عائلات مسيحية تحاول أن تكون كنيسة صغيرة تحيا بالكلمة الإلهية، والصلاة والأسرار المقدسة وتشهد في العالم بالمحبة الخادمة.

إلاّ أن البعض الآخر- وهم أقلية – بقيت الكلمة تُسائِلهم وتقضُ مَضجعهم بعُنفها وكُليَّتها.

سمع بعضهم “أتُحبني أكثر من هؤلاء؟ اتبعني وارعَ خرافي.” (يو21: 15 – 19)

وسمع البعض الآخر قول الرب:

-“ومن وجد الكنز المدفون في الحقل فليبع كل ما يملك ليشتريه.” (مت 13: 44)

-“من وجد اللؤلؤة الكثيرة الثمن فليبيع كل ماله ليشتريها.” (مت 13: 46)

-” يعوزك شيء واحد. اذهب أنت بع كل مالك ووَزعهُ وتعالَ اتبعني حاملاً الصليب.” (مر 10 : 21)

-” أتستطيع أن تشرب الكأس التي أشربها وأن تصطبغ بالصبغة التي أصطبغ بها أنا؟” (مت 20: 22)

-” أنا عطشان.” (يو 19: 28)

و كان مرسيل أحد هؤلاء بل هو الذي فتح أمام هؤلاء طريق التكريس الكامل إذ سمع النداء فقال: “هأنذا يا رب” (أع 10: 21) بين يديك استودع روحي وقلبي وجسمي.

لم يعد مرسيل بعد ذلك يطيق أن يبقى في العالم، لا بل صار يشعر كأن المنصب الرفيع الذي يشغله في الإدارة العامة يثقل كاهله في حين أن نير المسيح بدا له هيناً وأن حملَهُ خفيف (مت11 : 30 ) وصار يفضل أن يكون صعلوكاً يقيم في بيت الله (مز 83 : 10) على التربع في خيرات هذه الدنيا.

شعر مرسيل أن ما يقدمه للإخوة والأخوات و للمؤمنين من إرشاد وشهادة في الحركة لا يروي غليل عشقه للرب. فالرب ما زال يدعوه “أنا عطشان” ويريده أن يثبت معه في تجاربه (لو 22 : 28). وكبولس جديد حسب مرسيل كل الاشياء خسارة من أجل معرفة المسيح يسوع ربه، واعتبرها نفاية لكي يربح المسيح ويُوجَدَ فيه ليعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه مُتشبهاً بموته ( في3 : 7-12)، و مفرغاً ذاته “لكي يمتلئ إلى كل ملء الله” (اف 3: 19).

فكانت بداية جديدة للحياة الرهبانية عند الرجال في كنيسة أنطاكية. وكان دير القديس جاورجيوس في دير الحرف منارة يشع نورها في أنحاء الكرسي الأنطاكي المقدس. وكانت حياة الأب الياس وإخوته دعوة ونداء بحد ذاتها أعادت الحياة إلى أديرة مهجورة أضحت واحات هدوء وتسبيح وسلام وتقديس لرهبان يحملون الكنيسة والعالم في جهاد صلاتهم ونسكهم، يرتادها مؤمنون عطشت نفوسهم إلى ماء الحياة.

ليس المجال هنا لأذكر ما حققته النعمةُ الإلهية في حياة الأب الياس الراهب والكاهن، المعلم والمرشد، الأب الروحي وناقل تراث الآباء القديسين ترجمة وحياة.  فقد نال في هذه الدنيا مئة ضعف مما تركه من أخوة وأخوات و بنين وبنات (مر 10: 30) يشهدون لفعل هذه النعمة في حياته وحياتهم.

و لن أقدم هنا شهادتي الخاصة عن عشرتي له مدة سبعين عاماً رافقتُ خلالها نشاطه الحركيّ ثم لجأت إلى صلاته وشفاعته في كل مرحلة من مراحل حياتي وحياة الأحباء، مُتحداً به بالشكر والصلاة والكأس المقدسة.

ما يهمني الآن إذ نقيم ذكراه، هو أن أتوجه إلى شباب الحركة وإلى شباب الكنيسة المقدسة داعياً إياهم أن يقفوا أمام الله الحي، ويُجيبوا: هل سمعتم في وقت ما النداء الذي سمعه الأب الياس وأهملتموه أو توانيتم؟ فاليوم، إن سمعتم صوته لا تُقسوا قلوبكم (عب 3 : 8) و لا تلتفتوا إلى الوراء (لو9 : 62) ولا تؤجلوا التجاوب مع الداعي، فتتركوا هموم الدنيا، لا بل أحداث الحياة الروتينية تخنق النداء في قلوبكم.

وأريد أن أتوجه إلى أساقفتنا وكهنتنا الأجلاء سائلاً: هل تعتقدون أن المدعوين إلى الرهبنة في كنيستنا قد اكتمل عددُهم؟ ماذا نعمل في تربيتنا الأرثوذكسية لإحياء دعوة الرب إلى التكريس الكامل في قلوب شبابنا وشاباتنا ونُرشدهم إلى معرفة شرف هذه الدعوة ومجدها. لماذا لا تقيم كنيستنا المقدسة يوماً واحداً في السنة -على الأقل-  تدعو فيه المؤمنين إلى الصلاة كي يرسل الرب إلى حصاده أفواجاً من المكرسين له في الرهبنة و الكهنوت.

أيها الأحبة،

إنّ الرهبنة هي طليعة مسيرة الكنيسة إلى الملكوت. إنها البوصلة التي ترشد السفينة باستمرار وتنبهها إلى قُبلتها في أورشليم الجديدة النازلة من السماء لابسة كتاناً بهياً خالصاً هو عبرات القديسين (رؤ19 : 8). إنها، يقول أحد الآباء، “أيقونة الكنيسة” بل هي أيقونة العالم الجديد والسماء الجديدة. إنها رئة العالم التي يتنفس بها و تنتشر فيه بواسطتها رائحة المسيح الزكية. إن صلواتها تحفظ العالم الخاطئ من الموت وتنير طريق الذين يعملون لعالم يسوده العدل، والسلام. هي التراث الذي أحياه وتركه لنا الأب الياس لكي يحمله هذا الجيل إلى الأجيال الآتية.

أما هو، فيستريح الآن أمام وجه الحبيب باسطاً يديه يصلي: هأنذا والأولاد الذين أعطيتني (عب 2 : 13) احفظهم باسمك الذين أعطيتني (يو17: 12) قدسهم بحقك (يو 17: 17) ومَجِدهُم بالمجد الذي هو لك قبل إنشاء العالم.

آمين.

ألبير لحام

أمين عام سابق حركة الشبيبة الأرثوذكسية

25/2/2012

كلمة ألقيت في ذكرى مرور عام على انتقال الأرشمندريت الياس مرقص.

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share