“الروح يهبّ حيث يشاء”

الأب جورج مسّوح Wednesday May 30, 2012 84

“الروح يهبّ حيث يشاء” (إنجيل يوحنّا 3، 8). نستذكر هذا القول للسيّد المسيح لمناسبة عيد تأسيس الكنيسة وانطلاق البشارة إلى المعمورة كلّها، عيد حلول الروح القدس على التلاميذ في اليوم الخمسين (العنصرة) بعد قيامة المسيح من بين الأموات. والروح القدس، وفق الإيمان المسيحيّ، هو أحد الأقانيم الثلاثة، مع الآب والابن، التي يؤمن بها المسيحيّون إلهًا واحدًا.

“الروح يهبّ حيث يشاء” آية تعني أن لا قيود لحركة الروح أو لعمل الله في الكون. لا قيود دينيّة أو عقائديّة أو تاريخيّة أو ثقافيّة أو اجتماعيّة أو سياسيّة يمكن أن تعيق حركة الروح من أن يهبّ حيث يشاء. فالروح، أو الله، ليس أسير ديانة ما، وليس أسير مذهب أو طائفة ما، وليس أسير العوامل التاريخيّة والثقافيّة والحضاريّة التي جعلت بعضهم يعتنق هذا الدين، وبعضهم الآخر يعتنق دينًا آخر. الروح، وتاليًا الله، لا يُتوارث كما يُتوارث الاسم واللغة والهويّة الوطنيّة والمناطقيّة…

“الروح يهبّ حيث يشاء” آية تعني ما تشير إليها بساطتها من دون تعقيد للأمور. ونحن نعرف أين يهبّ الروح من ثماره الظاهرة في البشر، وثماره هي “المحبّة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والعفاف” (رسالة القدّيس بولس إلى غلاطية 5، 22-23). ونلاحظ أنّ الإيمان ثمرة من ثمار الروح، لكنّه ليس الثمرة الوحيدة، فالإيمان يخضع للعديد من العوامل الاجتماعيّة، كالانتماء العائليّ والمناطقيّ والبيئة المحيطة… وليس الإيمان مجرّد خيار فكريّ يتّخذه المرء بعد اطّلاعه على الديانات كلّها. لذلك، يعمل الروح، وتاليًا الله، في مَن يعطي هذه الثمار، وإنْ اختلفت الانتماءات الدينيّة لصانعي هذه الثمار. هذا ما يسعنا تسميته التنوّع في الإيمان.

لا يسع أحدًا أن يحتكر الروح فيأسره في منظومة دينيّة، أو أن يعتبره ملكًا حصريًّا له. ولا يسع أحدًا أن يزعم أنّه يدير أعمال الروح تأتيه العروض فيقبل بعضها ويرفض بعضها الآخر. ولا يمكن أيّ ديانة أو طائفة أو مؤسّسة دينيّة أن تدّعي الحصريّة لعمل الله في الكون. أمّا أن يزعم بعضهم أنّهم يحتكرون عمل الله في العالم فهذا عودة إلى اليهوديّة التي تزعم أنّ اليهود هم “شعب الله المختار”، وأنّ الله ليس سوى إلههم وحدهم.

الله لم يستقل من العمل في الكون، في كلّ نفس بشريّة تتوق إليه وتسعى إلى الخير العامّ وتحقيق المحبّة والرحمة والسلام لبني البشر كافّة. لكنّ واقع المؤمنين به، إلى أيّ ديانة انتموا، يدفعنا إلى التساؤل: هل يكتفي الله بالمؤمنين لكي ينشر كلمته أم يعمل هو نفسه بطرقه الخاصّة للوصول إلى الناس كافّة؟ وإذا كانت معظم تصرّفات المؤمنين تشوّه صورة الله، فكيف له أن يبقى صامتًا أو غير مبالٍ بخلقه؟ وإذا كان معظم المؤمنين مستكبرين ومستعلين في التعامل بعضهم مع بعض ومع الآخرين، فكيف له أن يبقى مقيّدًا بهم؟

“الروح يهبّ حيث يشاء” آية تعني أنّ الله لا يطلب الإذن من أحد حتّى يعمل. وهو لا يتّكل على خطايا المؤمنين به وأحقادهم التاريخيّة ومنظوماتهم التكفيريّة وحصريّتهم الخلاصيّة كي تصل كلمته. الله ليس إله فرقة واحدة، خرج من حصريّة اليهوديّة إلى كونه “ربّ العالمين”. والحمدلله أنّه ما زال يعمل، ولن يكفّ عن العمل حتّى يرث الأرض وما عليها.

الأب جورج مسّوح

“النهار”،30 أيار 2012

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share