العقيدة والحياة “الآن وهنا”

الأب جورج مسّوح Friday June 15, 2012 181

“أنا الطريق والحقّ والحياة” (يوحنّا 14، 6) يقول الربّ يسوع المسيح. والمسيحيّ يدرك هذا القول التزامًا محقَّقًا “الآن وهنا”، حيث يوجد ويتنفّس ويتحرّك.

أن يكون الربّ هو “الطريق”، يعني أن ينهج المسيحيّ نهج ربّه ؛ أي الحبّ الأقصى إلى بذل الذات من أجل أخيه الإنسان ؛ إذ “إنّ العبد ليس أفضل من سيّده”.

أن يكون الربّ هو “الحقّ”، يعني أن يعمل المسيحيّ ما وسعه لأجل إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل ؛ حيث يرى ظلمًا أو عدوانًا أو قهرًا.

أن يكون الربّ هو “الحياة”، يعني أن يحيا المسيحيّ كما عاش المسيح، أن يقتدي بالتعاليم الأساسيّة التي خلّفها الربّ، وبالأحداث الخلاصيّة التي جرت معه والمذكورة في الأناجيل.

ويمكننا أن نجمل هذه الأمور الثلاثة: “الطريق والحقّ والحياة” بأمر واحد، هو اتّخاذ الربّ يسوع مثالاً أعلى لدى المسيحيّ قابلاً للتطبيق والممارسة في الحياة اليوميّة.

الحسن في لاهوتنا المسيحيّ وتراثنا الكنسيّ هو أنّنا نعتقد أن لا قيمة لأيّ عقيدة إيمانيّة إن لم تتمّ ترجمتها في حياة المؤمنين وسلوكهم. فليس للتجريد أو للتنظير بحدّ ذاتهما قيمة، بل إنّ العقائد نحياها في يوميّاتنا وفي تفاصيل حياتنا كافّة. لذلك، لا معنى لعقيدة لا تكون راهنة، أو لعقيدة لا علاقة لها بحياة الناس “الآن وهنا”، أي في الزمان والمكان الحاضرين. ودونكم بعض الأمثلة عن ارتباط اللاهوت العقائديّ في المسيحيّة بالنهج المفترض أن يسلكه المسيحيّ المؤمن بالنظام اللاهوتيّ.

تقوم العقيدة المسيحيّة على الإيمان بالثالوث الأقدس: الأب والابن والروح القدس، الإله الواحد. وللدلالة على العلاقة القائمة بين الأقانيم الثلاثة المقدّسة، قال التراث المسيحيّ إنّ أساس هذه العقيدة يقوم على “التنوّع في الوحدة”، و”الوحدة في التنوّع”. فالوحدة لا تلغي الخصوصيّة، كما أنّ التنوّع لا يعني الفردانيّة أو التفرّد، أو عدم العلائقيّة الخلاّقة. على مثال هذه الصورة الثالوثيّة ينبغي لنا أن ننظر إلى الآخر ؛ أي على أساس أنّنا واحد في المسيحيّة إن شئنا التخصيص، وواحد في الإنسانيّة إن شئنا التعميم. لكن أيضًا، وفي كلا الحالتين، متنوّعون ومؤمنون بالاختلاف، وبتميّز كلّ إنسان ومواهبه عن الآخر.

كما تقوم العقيدة المسيحيّة على الإيمان بتجسّد كلمة الله إنسانًا تامًّا. وأدرك التراث المسيحيّ أنّ التجسّد ليس سوى التزام مباشر من الله بحياة الإنسان. لقد صار الإله إنسانًا كي يختبر الحياة البشريّة، فيتألّم مع المتألّمين، ويفرح مع الفرحين. هكذا نجد المسيح رفيق المستضعفين والمعذَّبين في الأرض، جاع معهم، وعطش معهم، ولم يكن له موضعٌ يسند إليه رأسه. لذلك، ليست المسيحيّة، بناءً على هذه العقيدة، مجرّد حياة روحيّة نمارس فيها الصلوات والأصوام والعبادات فحسب، بل هي التزام مادّيّ ومعنويّ بالإنسان القريب، لا القريب باللحم والدم والتناسل الطبيعيّ، بل هو الذي “صار قريبًا” بعد أن وقع بين أيدي اللصوص. القرابة، في هذا السياق، صيرورة تتحقّق بالتزام العمل من أجل عالم أفضل يسوده السلام والمحبّة والرحمة والبرّ.

أمّا ذروة الحياة المسيحيّة فتتجلّى في أبهى صورها بالصليب، حيث وهب الربّ يسوع ذاته مجّانًا “من أجل حياة العالم”. هكذا المسيحيّ مدعوّ إلى أن يحبّ أخاه الإنسان، إلى حدّ بذل ذاته من أجل أن يحيا الآخر الموضوع في عهدته. وفي هذا السياق يقول الربّ: “مَن أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني. لأنّ مَن أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومَن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها. فإنّه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟” (مرقس 8، 34-36).

معنى الحياة المسيحيّة، إذًا، يكمن بالضرورة في ممارسة المسيحيّ لعقائده في حياته اليوميّة. فيحيا الثالوث “تنوّعًا ووحدة”، والتجسّد “التزامًا روحيًّا ومادّيًّا”، والصليب “حبًّا وبذلاً بلا مقابل”. وذلك يعني أن لا مكان في المسيحيّة للاّهوت المنقطع عن حياة المؤمنين وواقعهم ومشاكلهم. والمسيح لم يأتِ بنظريّات فلسفيّة أو نظريّة، ولا بتعاليم تفوق القدرة البشريّة، بل قدّم نفسه نموذجًا يقتدى في الحياة اليوميّة. حياته كانت الكلمة والشريعة التي شاء الله أن يقولها للناس، فيحيوا إلى الأبد.

في الصلاة الوحيدة التي علّمها الربّ يسوع لتلاميذه، ولنا عبرهم، تلك الصلاة التي يتلوها المؤمنون يوميًّا مرّات عدّة، ثمّة دعوة إلى التزام شؤون الأرض لجعلها ملكوتًا سماويًّا. ففي هذه الصلاة، نقول: “ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض”. ونحن نؤمن بأنّ الملكوت الإلهيّ قد بدأ، لكنّه سيعتلن بقوّة في اليوم الأخير. غير أنّ المسيحيّ لا ينتظر حلول هذا الملكوت بسلبيّة، بل يتوجّب عليه أن يسعى إلى تحقيقه “الآن وهنا”، عبر التزامه عيش المحبّة والرحمة والسلام والبرّ.

في اللاهوت المسيحيّ، “الآتي” يعني “الحاصل”. وهذا ما يُطلق عليه “تذوّق الخيرات الآتية” التي يمنحها الله، بواسع محبّته، للبشر. ويضيف كاتب الرسالة إلى العبرانيّين أنّ “المسيح جاء عظيم كهنة للخيرات المستقبَلة” (9، 11)، ويضيف أنّ هذه الخيرات هي خيرات الوطن السماويّ “لذلك لا يستحيي الله أن يدعى إلههم، فقد أعدّ لهم مدينة”، يحيون فيها إلى الأبد. التحدّي الكبير الذي يواجهه المسيحيّ هو كيف يجعل هذا الملكوت المستقبليّ حاضرًا في عالمنا اليوم “الآن وهنا”.

أن يحيا الإنسان مسيحيًّا هو أن يسعى إلى عيش ما يؤمن به في حياته اليوميّة. أن يحيا الإنسان مسيحيًّا هو أن يعطي للعقيدة الحياة.

مجلة النور، العدد الرابع 2012، ص 170-171

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share