البير لحام وجه وتاريخ – شفيق حيدر

شفيق حيدر Tuesday September 10, 2013 169

البير لحام وجه وتاريخ

شفيق حيدر

تركـنا ألـبير لحّام وأنطاكية، التي عشق وتبتّل من أجلها، ما زالت تئنّ. علّمتنا، أيّها الراقد العزيز، حبّها والإخلاص لها.
كنت حتّى الرمق الأخير تقوّينا، مددتنا دائمًا بنار الشيوخ ونورهم. لقد حملت إلينا من شبابك حتّى الشيخوخة النار والنور.
إنّك عشير الكلمة المحيية، ومنها وحدها استمددْت الجـدّة والجـرأة والفـرح. ألبيـر لحّــام ثــورة هـادئـة ونار نـديّة ورجـاء أكيـد ومحـبّة لا تفـتر. إنّها الـدروس التي نهلناها من كلامه الهادر حينًا ومن صمته الفصيح في أكثر الأحيان.
هو عاشق أنطاكية وصريعها. أحبّها حتّى الهيام منذ مطلـع شبابـه، يوم قاده الروح العليّ مع أقران له إلى تأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة في المدى الأنطاكيّ الواسع. منذ تلك اللحظة كرّسه الروح نفسه خادمًا للنهضة فوقف نشاطه وعلمه ومكتبه ووقته وفكره وجهده وحياته كلّها لهذا التكليف الإلهيّ الذي عرف أن يسمعه ويعمل بمقتضاه بتواضع الرهابين الصادقين وطاعتهم وتبتّلهم. غيرة أنطاكية أكلته طوال عمره.

انكبّ راحلنا منذ شبابه على الدراسة، فحصّل العلوم الحقوقيّة، وبرع كمحام، وغدا مدرسة تدرّب على يديه كبار رجالات القانون في لبنان. وحصّل أيضًا، بالجدّ والمطالعة والصلاة، العلم الإلهيّ. تمثّل إنجيل الناصريّ حتّى غدا هو إنجيلاً قرأ الناس على محيّاه الصدق والاستقـامـة والحـبّ. عـرف كيف يعمّد علوم الدنيا بالجــدّة والحيــاة والنــور. خبـره النــاس مؤمـنًا عارفًا فقيهًا.
أطلّ وجهه على عارفيه مشرقًا دائمًا. وقرأ الناس فيه الوداعة والفرح والقوّة والصدق إلى الموسوعيّة العلميّة والمنطق الحصيف وسرعة البديهة ودعابة الأنقياء وقوّة الحقّ. سعى ألبير لحّام سحابة عمره إلى إقامة العدل سعيه إلى السلام والحقّ يسودان في الكنيسة المقدّسة. في شخصه تلاثم السلام والعدل.
إنّها ملامح الوجه الذي افتقدنا الذي أدّى دورًا رياديًّا في تاريخ الكنيسة الأنطاكيّة، والأرثوذكسيّة العالميّة، في الزمن المعاصر.
لا تؤرّخ للنهضة في أنطاكية إلاّ ويلمع نجمه ويسطع في حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة وغيرها من التنظيمات والهيئات. لقد ألهمه اللَّه مع سواه لرسم خطّة الطريق المستقيمة لنهضة الكنيسة وقد عبّر عنها في مقالات ورسائل وتأمّلات ومحاضرات وخطب.
لا تؤرّخ للوحدة الأرثوذكسيّة العالميّة إلاّ وتذكر ألبير لحّام، إن في تأسيس رابطة حركات الشباب الأرثوذكسيّ في العالم أو في الاجتماعات التمهيديّة للمجمع المسكونيّ الأرثوذكسيّ العتيد.
لا تؤرّخ للحوار المسكونيّ والسعي الوحدويّ إلاّ وتسمع صوته محاضرًا ومناقشًا في المحافل المسيحيّة العالميّة والمؤتمرات المسكونيّة العامّة أو الأرثوذكسيّة الشرقيّة.
لا تؤرّخ لنهضة الرهبنة في كنيستنا إلاّ وتحضر أمامك الجهود التي بذل في الخطوات الأولى لمّا تمّ تأمين بيت في ضواحي بيروت العاصمة جَمَع الأخوات الراغبات في الحياة الرهبانيّة لإعدادهنّ وكنّ نواة دير ما يعقوب الفارسيّ المقطّع في ددّه – الكورة.
لا تؤرّخ للقوانين الأنطاكيّة إلاّ ويحضر فقيدنا في المجالس الملّيّة المحلّيّة والعامّة وفي مؤتمرات على أنواعها يحضر في اقتراحاته ومداخلاته. ولا تذكر أزمات الكنيسة، في الوطن والمهجر، إلاّ وتذكر معها الدور الذي قام به في حلّها. لمّا ودّعنا ألبير لحّام على رجاء أن نلقاه دائـمًا في حضـن الحبيب، حضَرَنا هذا التاريخ الجهاديّ كلّه.
عاش أمينًا لربّه وكنيسته. قدّم حياته قربانًا على مذبحهـما. فهنـيئًا لوجهه الآن إلـى وجـه الحبيـب يحمل معـه أعمالـه كلّهـا لينعـم بالصـوت الإلهيّ يقول: »كنت أمينًا على القليل فسأقيمك على الكثير، أدخل فرح ربّك«.

مجلة النور 2013، العدد 7، ص 346-347

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share