ظلال الرجل الكبير، في ذكرى البير لحّام – أسعد قطّان

أسعد قطّان Tuesday September 10, 2013 167

ظلال الرجل الكبير
في ذكرى البير لحّام

أسعد قطّان

كان الرجل الكبير، حين التقاه أوّل مرّة، يجلس على مقعد وثير في صالون الفندق البيروتيّ. بدلته الرسميّة وربطة عنقه تشيران إلى أنّه يتوقّع لقاءً رسميًّا مع شخص مهمّ، لا معه. أمّا نحولـته الباديـة للعيان فتوحي بعدم انسجام والمقعد الوسيع الذي كان يغرق فيه. أعضاؤه تتلاصق على شيء من انقباض، وكأنّه كيان سقط في غير مكانه.
»الحركة تحتاج كلّ جيلَيْن أو ثلاثة إلى توثّب جديد، إلى ضرب من إعادة تأسيس«.

كانت هذه عبارته الأُولى. لماذا تفوّه بكلمات من هذا النوع، وهو قد استدعاه للبحث في مشروع كتاب عن العهد الجديد؟
أقلق الرجلَ الكبيرَ برنامجٌ تلفزيونيٌّ عن يسوع وبدء المسيحيّة عُرض على قناة أُوروبّيّة. رأى فيه صورةً مغايرةً للإنجيل الذي تربّى عليه في الحركة، وهو من مؤسّّسيها وواضعي مداميكها. قيل إنّه لم يجد في البرنامج تشويهًا فحسب، بل شيئًا من دعاية صهيونيّة. بدا مجروحًا بما قيل فيه عن السيّد. أمّا هو، فلم يستطع تبيّن مكامن النقد بالضبط. لم يسأله. كانا ينتميان إلى جيلَيْن مختلفَيْن لا في العمر فحسب، بل حتّى في تقويم العلاقة بين التاريخيّ واللا-تاريخيّ في نصوص الكتاب المقدّس. بعض هذه النصوص حبكة أدبيّة متقنة، ولا يعوزه أن يكون تاريخيًّا حتّى يضحي مؤثّرًا وقادرًا على توليد الإيمان في النفس. لكنّه لم يَخُض معه في التفاصيل. اكتفى بالإصغاء. لماذا أرسل في طلبه؟
كانت ثمّة سيّدة جليلة بشعر أبيض وقور وحبٍّ جمٍّ ليسوع. قالت له: »الرجل الكبير يطلبك. تقصده وتصغي إليه بتمعّن. ثمّة أمر مهمّ يريد أن يبثّك إيّاه«.
كلاّ، لم تكن تلك المرّة الأُولى التي يراه فيها!
موعدهما الأوّل كان في صافيتا. حفنة من طلاّب اللاهوت تؤمّ المدينة في يوم شتائيٍّ عاصف لترتّل في القدّاس الإلهيّ الذي ترأّسّه البطريرك الراحل إغناطيوس الرابع. ثمّ ماذا؟ طالب لاهوت في السنة الدراسيّة الأُولى يلج، من باب المصادفة، إحدى الغرف. فيجد رجلاً نحيلاً هادئًا يجلس إلى طاولة مقتعدًا كرسيًّا خشبيًّا. بعضهم يتحلّق حوله. سمعه يسأل عن كتاب ليتورجيٍّ طُبع قبل بعيض سنوات. يسألهم أين يستطيع العثور على الكتاب، لأنّه يودّ أن يبتاع كمّيّةً كبيرةً من النسخ بغية توزيعها على بعض الرعايا في مكان عاد لا يتذكّره. في طريق العودة إلى البلمند، قال له الصحب إنّ ذلك الجالس إلى المكتب هو الرجل الكبير الذي أسّّس الحركة. كان قد سمع عنه. بيد أنّه لم يُعِر المسألة اهتمامًا كبيرًا. بدا له أنّ مظهر الرجل، حضوره، أسئلته، لا يتلاءم مع صيته الذائع. يوم التقاه في الفندق، بعد ردح من السنين، أدرك أنّ ما يختفي وراء هذا الافتراق الواضح تواضعٌ كبيرٌ لا يحتاج المرء إلى وقت كثير لملاحظته إذا كان في العينين نور. فالنور يتبيّن النور ويرصده.
وضع تصوّرًا للكتاب الذي طلبه الرجل. كانت الفكرة أن يأتي الكتاب في فصول أربعة، وأن يجمع بين مقاربة العهد الجديد بوصفه كتاب حياة يُقرأ في الليتورجيا ويشكّل قاعدة البشارة والسلوك في المسيح ومقاربته من وجهة نظر التحليل التاريخيّ. ما كان هو يجد تعارضًا بين المنهجين. فالحياة لا تُغني عن معرفة، والمعرفة أنّى لها أن تمسي بديلاً من الحياة. لكنّ الكتاب لم يبصر النور. وهو، حتّى اليوم، لا يعرف السبب. لم يتلقَّ أيّ إشارة قبول من جهة الرجل الكبير. ولا تلقّى رفضًا. مرّاتٍ زُيّن له أنّ الرجل لم يَرُق له التصوّر الذي قدّمه، وأنّه، دماثةً، آثر نسيان الموضوع على أن يجرحه بالرفض. وهو إذا كان اليوم لا يستبعد هذا التفسير، إلاّ أنّه لا يستطيع تأكيده. ومهما يكن من أمر التفسير، فإنّ صمت الرجل الكبير لم يكن محايدًا، بل يوحي بالوقار، بالاحترام، بالقبول أن يذهب بعض شباب التيّار النهضويّ، الذي ثبّت هو ركائزه، في اتّجاهات لم يألفها هو أو بعض أترابه. لم يكن عليهم بمسيطر، لكنّ صمته كان مذكّرًا بأنّ الإخلاص للربّ وكلمته هو القاعدة، مهما تعدّدت الاتّجاهات والمناهج، وأنّ لا قاعدة أُخرى ترتجى حتّى تنقضي الأزمنة ويبتلع الملكوت ترّهات الناس.
اليوم، وقد رقد الرجل الكبير على رجاء القيامة، ربّما يأسف لكونه لم يصرف وقتًا أطول في التعرّف إليه. فالمسافة أنّى لها أن تكون القاعدة بين الذين وضعوا نصب أعينهم أن يحبّوا الربّ ويخدموا إنجيله على قدر ما أُوتوا من قوّة. ولعلّ شعوره هذا يتعاظم مع تكثّف إحساسه بأنّ الذين أسّّسوا الحركة، هذه البقعة المضيئة في كنيسة الربّ، آخذون بالرحيل واحدًا تلو آخر، كما ترتحل الطيور المهاجرة في أيلول. سترجع الطيور، وهم لن يعودوا إلاّ ظلالاً. والظلال كلمات مدوّية تقذفنا إلى انطلاقات جديدة في كنيسة يساورها، اليوم، خطرٌ من نوع آخر، خطرُ أن تعتبر ذاتها بلغت من النهضة مبلغًا يغنيها عن مزيد من النهضة، وخطرُ أن تحسب التفاهة معرفةً، والتسطّح تواضعًا، وبعض مظاهر التقوى قداسة.
قبل حفنة من الأيّام، غاب الرجل الكبير الذي أسّّس الحركة. لم تغيّره السنون. لقد ظلّ على نحولته كمن يريد أن يختفي في جلباب سيّده. وظلّ على هدوئه لأنّه يعرف أنّ الربّ، كما قال أحد أصفيائه، قادر على أن يكتب خطوطًا مستقيمةً بأحرف متعرّجة. أمّا هو، فيدرك اليوم أنّ كلمات الرجل الكبير الأُولى إليه هي إيّاها كلماته الأخيرة. فالحركة تحتاج، كلّ جيلين أو ثلاثة، إلى توثّب جديد، إلى ضرب من إعادة تأسيس..

مجلة النور 2013، العدد 7، ص 348-349

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share