“الواقف فليحذر السقوط”

mjoa Tuesday February 25, 2014 185

هذه الآية الرسوليّة (1كورنثوس 10: 12)، التي تعرّفت إليها في هذا التعريب، كثيرًا ما حيّرني معناها. كان سؤالي الدائم لنفسي: كيف لواقف، أي لقويّ بالله وبنعمه المخلِّصة، أن يسقط؟ كنت أتعاطى معها كما لو أنّه لم يسقط كبار، تلاميذ ومسيحيّون كادوا أن يُستشهَدوا! كنت أقرأها كما لو أنّها آية بلا سياق، كما لو أنّ واضعها لم يخبر، من قَبْلها ومن بعدها، عن أشخاص سقطوا. هل كنت، في سرّي، أزرع أفكاري في كلام إلهيّ شأني، مسيحيًّا، أن آتي منه، هو هو؟ هل كنت أحسب نفسي قويًّا لا يسقط؟!

ثمّ قرأت الآية في تعريب آخر. “مَن ظنّ أنّه قائم، فليحذر السقوط”. وفتحت لي هذه القراءة الجديدة آفاقًا أودّ أن أصفها بأنّها جديدة. ذكّرتني بأنّ الوقوف يختلف عن ظنّ الوقوف. وسنّت لي أن أدرك أنّ الواقف، أي الواقف الحقيقيّ، إنّما يتعهّده الله في غير حال. هذا، مثلاً، إذا ضيّقت عليه “تجاربه”، يضع له ربّه “وسائل الخروج منها”، ويرقّيه من درجة هو فيها إلى أخرى أعلى منها. أمّا الذي يظنّ نفسه واقفًا، أي الذي يخدع نفسه وسواه بأنّه في مكان يعلم أنّه ليس فيه، فإن لم يرحم نفسه بأن يتوب إلى الوقوف الحقّ، فسيكون خبر سقوطه كارثةً عليه وعلى الذين انخدعوا به. وهذا أباد حيرتي.

هل، تراني، ما زلت أُسقط على كلماتٍ أقرأها ما يريحني معناه؟ لا، بل آتي من “مرآة” حيّة كلّنا نعترف بحقّها. إنّها الكلمة، كلمة الله، التي لا شيء مثلها يرينا إن كنّا من الجماعة الكنسيّة حقًّا، أو غرباء تسلّلوا إليها (أي لسنا منها حقًّا). أعلم أنّ كلام يسوع على حقل الله أنّ فيه قمحًا وزؤانًا (أي أشخاصًا قائمين فعلاً وآخرين غير قائمين فعلاً) كلام صعب (قد) يصدم الكثيرين في غير جيل، ولا سيّما الإخوة الذين ما زال عودُهم طريًّا. وحسبي أنّ الربّ، لمّا اختار أن يجيب سائليه عن الزؤان: “هذا عدوّي تسلّل إلى الحقل، وزرعه فيه”، أراد أن يمسح الصدمة عن عيون طريّة (متّى 13: 24-30)؟ وإذًا، لا أُسقط!

يمكنني أن أشعر بأنّ كثيرين، ممَّن يقرأون هذه السطور، سيعتبرون أنّ كاتبها دخل في المحظور. هل أسمع صوت أوراق تُمزَّق؟ الناس، معظم الناس، على أنّهم لا يعلمون شيئًا من إرثنا، يرتاحون إلى ما “يعلمونه”! لِمَ معظم الناس يريحهم جهلُ ما هو حقّ؟ لِمَ تعوّد الكثيرون بيننا أن يتصلّبوا على ما هم يعتبرونه صحيحًا؟ أعتقد أنّنا أناس يكوّننا، في وجه عامّ، ما نتلقّفه، صحيحًا كان أو خطأً. لنأخذ مثلاً واحدًا. كلّنا نعلم أنّ الإنسان، ليكون عضوًا في رعيّة المسيح، يجب أن يعتمد. وهذا علم صحيح، طبعًا. لكنّنا، بمعظمنا، نبدو لا نعلم (أو نبدو لم نتعلّم) أنّ المعموديّة، هي هي، سبيلنا إلى التزام أبديّ! وهذا جعلنا، بمعظمنا، نلحّ في طلب المعموديّة (لنا ولأولادنا) من دون أن يعنينا مقتضاها، أي أن نحيا لله!

سأكتفي بهذا المثل. وأطرح سؤالاً أرى أنّ الإجابة عنه ضرورة في هذه السطور. وهذا: كيف تحقَّق معموديّتنا؟ أمّا الجواب الذي أراه يوافق إرثنا، فقول بولس إنّ: “المحبّة لا تسقط أبدًا” (1كورنثوس 13: 8). لا أدّعي أنّني أعلم أنّ ثمّة عالمًا في التفسير الكتابيّ جزم أنّ الرسول، فيما كان يملي هذه الآية، مرّ بباله تحذيره الواقف من السقوط. لكن، لِمَ لا يكون قد مرّ؟! فأيّ قارئ يمكنه أن يلاحظ أنّ هاتين الآيتين، الواردتين في رسالة واحدة، لهما رنين واحد. وإذًا، ما أراه يدلّ على أنّنا نرغب في أن نحقّق معموديّتنا، أي نسعى إلى أن نبقى واقفين، هو أن نلتزم أنّ الكنيسة، في كلّ ما تقدّمه لنا، هي الموئل الذي تُعتنق فيه المحبّة، ويُتقوّى فيها. فأنت، أيًّا كنت، لا تكون واقفًا إن لم تقبل الكنيسةَ مختبرًا للمحبّة، محبّة الله والإخوة، جميع الإخوة، جميع الناس، من دون أن تميّز بين وجه ووجه. لا أحبّ الكلام القاطع إلاّ في حالين: عندما يُتكلّم على خير الله، وعندما يُتكلّم على شرّ الشرّير. هذه قناعة تعلّمتها منذ زمان قديم. ولا أدخل استثناء على قناعتي، بل أكرّر في بسطها، إن قلت إنّ المعمَّد حقًّا هو الذي لا يعرف الكره إليه سبيلاً!

هذا كلّه يعني أنّ المسيحيّ (المعمّد) إنسان يجاهد. فالتحذير، الذي قرأناه، لا يدلّ على وقوفٍ لا شأن لنا فيه. لقد قرأت عن الصراع الذي جرى، في أزمنة غابرة، بين القائلين بأنّنا نخلص بالنعمة وحدها، وبيننا نحن الذين نعتقد بتآزر النعمة والإرادة البشريّة. كيف تكون محبّتنا للناس جميعًا في خطّ هذا التآزر المحيي؟ هذا، مقبولاً، يعني أنّ دعوتنا، مسيحيّين، أن نرتضي ما يرتضيه الله لنا، أي أن نسعى إلى أن نكون إلهيّين. لا أعتقد أنّ ثمّة جهادًا، في المسيحيّة، أعلى من أن نحبّ، أي أعلى من أن نتوافق مع الله في كلّ شيء، في المحبّة، وبذل الذات، واعتبار أنّنا لا شيء (أنّنا “عبيد لا نفع فينا”، كما أوصانا الربّ أن نقول عن أنفسنا)، والعمل الدؤوب على الرفع من شأن الآخرين، وجعل أنفسنا جسرًا يطأونه، ليصِلوا إلى الله.

أَوحيتُ، أعلاه، بأنّ هذا القول يمكننا أن نشتمّ فيه خوفًا من أن يكون سقوط الساقط كارثةً على سواه. هنا، يعنيني أن أوضح، فقط، أنّ الواقف الحقيقيّ يختلف عمَّن يظنّ نفسه واقفًا بأنّه يخاف على مصير الآخرين أكثر ممّا يخاف على مصيره، بل يعنيه خلاصهم قَبْلَ خلاصه! هذا من طبيعة المحبّة التي كتب بولس عنها، أيضًا، أنّها “لا تفعل ما ليس بشريف، ولا تسعى إلى منفعتها” (1كورنثوس 13: 5)!

أعرف مخاطر الكتابة عن شرّ الخدعة على قارئ ورع. لكنّني، بما قلته، لست سوى قارئ لتحذير كتابنا من إبليس الذي “يجلس في هيكل الله، ويعلن نفسه إلهًا” (2تسالونيكي 2: 4). هذا إلى حين!

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share