الدجّال

mjoa Tuesday April 1, 2014 336

يقول القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو (+٣٩٧): “كما يحدث في خسوف القمر، بسبب وجود الأرض بينه وبين الشمس، فيختفي منظره، كذلك يكون الأمر بالنسبة إلى الكنيسة المقدّسة، عندما تقف أهواء الجسد في طريق النور السماويّ، فلا يستمدّ ضياء نوره الإلهيّ من شمس المسيح… هكذا يحدث للنجوم، أي للقادة الروحيّين المحاطين بمديح إخوتهم المسيحيّين، فإنّهم سيسقطون، كلّما تزايدت مرارة الاضطهاد”. هذا القول أتى في سياق التعليق على الفصل 13 من إنجيل القدّيس مرقس الذي يتضمّن حديث الربّ يسوع عن علامات مجيئه الثاني المجيد.

يرينا تاريخ الكنيسة، بأمثلة وعِبر كثيرة، صحّة كلام أمبروسيوس. فكم من النجوم التي سطعت في سماء الكنيسة، ثمّ ما لبثت أن سقطت وانطفأ نورها، وكم من الأقمار ابتلعتها الثقوب السوداء. باباوات وبطاركة وأساقفة ورؤساء أديار وكهنة وشمامسة ورهبان سقطوا بسبب انحرافاتهم التعليميّة والأخلاقيّة، وكانوا السبب في الانشقاقات التي ضربت الكنيسة منذ نشأتها إلى يومنا الحاضر، وجرّوا معهم جموعًا من المسيحيّين الذين وثقوا بهم وتأثّروا بأقوالهم وبسحر أشخاصهم. ومنهم مَن سقط في أزمنة الاضطهاد، ومنهم مَن سقط في أزمنة السلام والأمان.

يؤكّد أوريجنّس (+٢٣٥) أنّ “المسيح الدجّال” يتّخذ مكانًا مقدّسًا منبرًا لتعليمه الضالّ، فيقول: “في هذا المكان المقدّس كثيرًا ما يقف المسيح الدجّال، الكلمة الكاذبة، وكأنّه الله، أو كأنّه كلمة الله. هذا هو نجاسة الخراب”. المكان المقدّس لا يقدّس الجالسين فيه بصورة آليّة أو سحريّة، هو يقدّس مَن يخضعون لكلمة الله، للتائبين الخاشعين المتواضعين. ولا يسكن الروح القدس في إنسان فيقدّسه، إذا لم يكن ثمّة تناغم ما بين مشيئة هذا الإنسان ومشيئة الله. الروح القدس يحترم حرّيّة مَن لا يريد أن يقتنيه، فيهجره منتظرًا توبته ليعود إليه ويسكن فيه ويقدّسه.

يعتبر أوريجنّس أنّ “المسيح الدجّال” هو واحد في جنسه، لكن ثمّة أنواع عديدة منه، “كما أنّ المرء يقول إنّ الكذب واحد في جنسه، لكن هناك العديد من أنواع الكذب”. لذلك يقول: “فكلّ كلمة تدّعي أنّها حقّ وهي ليست كذلك، هي، بمعنى من المعاني، المسيح الدجّال، الساعي إلى أن يضلّل الناس عن الحقّ وأن يفصلهم عمّن قال: “أنا هو الحقّ” (يوحنّا ١٤: ٦)، أيّ الربّ يسوع المسيح”. أمّا الطامّة الكبرى فتكمن، وفق أوريجنّس، في أنّ “وعظ أهل الضلالة يكون غالبًا مقنعًا جدًّا وله قدرة على أن يحرّك الذين يستمعون إليهم”. خطورتهم تكمن في جاذبيّتهم الشديدة وفي قدرتهم الفائقة على الغواية. ثمّ يعقد أوريجنّس مقارنة ما بين المسيح الربّ الحقيقيّ والمسيح الدجال، فيقول: “المسيح هو الحقّ. أمّا المسيح الدجال فيزيّف الحقّ. المسيح هو الحكمة. أمّا المسيح الدجّال فيتظاهر عن مهارة بالحكمة… كلّ الصلاح الأصيل يتطابق مع المسيح. أمّا الفضائل المزعومة كلّها فتتطابق مع المسيح الدجّال. فكلّ غنى الصلاح المتجسّد في المسيح يبني المؤمن، أمّا الشياطين فتجد طرقًا لتقليده ظاهريًّا لخداع المؤمن”.

ينبئنا الربّ يسوع بضرورة الاحتراس: “فكونوا أنتم على حذر. ها أنا أنبأتكم بكلّ شيء”. تعليقًا على هذه الآية يقول القدّيس كبريانوس القرطاجيّ (+٢٥٨): “كلّما اهتاج الخصم كثرت أخطاؤه وارتفعت حماقته واضطرم صدره حسدًا، وصيّره الطمع أعمى، وأفسده الإثم، وزهاه الكبر، وأذهبَ الغضبُ عقله… فليحترس الإخوة من هذه الأمور”. كيف يتصرّف المؤمن تجاه هذا الصنف من الخصوم؟ ينصحه كبريانوس بالقول: “تجنّبْ مثل هؤلاء الناس. أبعدْهم عن جنبك وأذنيك، وكأنّ حديثهم الضارّ يحمل عدوى الموت… إنّه عدوّ المذبح، ومتمرّد على ذبيحة المسيح. فهو للإيمان كفر، وللدين تدنيس. إنّه خادم متمرّد، وابن إثم، وأخ معادٍ، ومزدرٍ بالأساقفة، ومتخلٍّ عن الشيوخ، ومتجاسر على إنشاء مذبح آخر ليقيم صلاة أخرى بكلام محرّم، ومدنّس للتقدمة بذبائح نجسة”.

يدعو القدّيس غريغوريوس الكبير (+٦٠٤)، أسقف رومية، المؤمنين إلى التنبّه الدائم واليقظة، وذلك عبر سلوك سبيل التوبة، فيقول: “أصلحوا الخلل أو العيب في حياتكم الحاضرة. غيّروا عاداتكم. تغلّبوا على التجارب الشرّيرة بوقوفكم ثابتين ضدّها. توبوا بالبكاء على الخطايا التي ارتكبتموها”. وفي السياق ذاته يذكّرنا القدّيس أثناسيوس الكبير (+٣٧٣)، أسقف الإسكندريّة، بضرورة التوبة اليوميّة لأجل الخلاص، فيقول: “إنّ نهاية كلّ منّا قد حجبها الكلمة عنّا. ففي نهاية كلّ شيء تكون نهاية كلٍّ منّا، وفي نهاية كلٍّ منّا تكون نهاية كلّ شيء. يكون ذلك الوقت مجهولاً، لكنّه مرتقب دائمًا، فنرتقي يومًا فيومًا وكأنّنا دعينا إلى ذلك، فنجاهد إلى الأمام وننسى ما وراءنا”.

الدجّال حاضر، هنا وثمّة، يسعى إلى تضليل المؤمنين وجذبهم إلى الهلاك. هو يتّخذ صورًا بهيّة كملاك من النور، لكنّ داخله مملوء نجاسة وقذارة. وأشدّ الدجّالين خطرًا على المؤمنين هم الذين لهم مكانة هامّة في الكنيسة. غير أنّنا متيقّنون من أنّ الربّ لن يدع كنيسته لقمة سائغة في أشداق الوحوش، طالما هناك مؤمنون يتجنّدون للحفاظ على نقاء الإيمان المستقيم والحياة المستقيمة في الربّ.

 

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share