ما بين الاعتزاز بالقدّيسين والتملّص منهم

الأب جورج مسّوح Saturday January 31, 2015 23

ثمّة بونٌ شاسع ما بين اعتزاز المسيحيّين بسيَر الشهداء القدّيسين وتسمية أبنائهم وكنائسهم بأسمائهم، من جهة، وسلوكهم في أوقات الشدّة والضيق، من جهة أخرى. تراهم يفاخرون بتاريخهم الذي سطّرته دماء الشهداء أزمنة الاضطهادات، وفي الآن عينه، يرفضون الاقتداء بهم تحت ذرائع شتّى، علمًا أنّ القدّيس بولس الرسول يقول، في مواضع عدّة، بوضوح بيّن: “أطلب إليكم أن تكونوا مقتدين بي (بالقدّيسين كافّة) كما أقتدي أنا بالمسيح” (كورنثوس الأولى ٤: ٦ و١١: ١).

تكرّم الكنيسة القدّيسين بعامّة، والشهداء بخاصّة، كي تري المؤمنين نماذج من مسيحيّين يشبهوننا استطاعوا، بنعمة الله، أن يحيوا بحسب الإنجيل، ويكرّسوا ذواتهم لخدمة الإيمان والإخوة، إلى حدّ تقديم حيواتهم قرابين على مائدة الربّ. ومَن يظنّ أنّ عصر الشهداء قد ولّى إلى غير رجعة، يكن مجانبًا للصواب. فها نحن في خضمّ الأتون مرميّين نتضرّع إلى اللَّه أن يحوّل النار إلى ندًى وسلام.

بيد أنّ المسيحيّين يقرأون سيَر القدّيسين كأنّها سيَر أبطال ليسوا من لحم ودم، أبطال خرجوا من الأساطير والروايات. يقرأونها كأنّهم يشاهدون فيلمًا سينمائيًّا أبطاله ممثّلون يؤدّون أدوارهم ثمّ يعودون إلى حياتهم اليوميّة، أشخاصًا طبيعيّين كسائر البشر. القدّيسون ليسوا ممثّلين، بل أشخاص حقيقيّون جاهدوا ضدّ الخطيئة والشرّ، فصاروا أبطالاً لأنّهم ثبتوا على مبادئهم ولم يخونوها، ودفعوا ثمن ولائهم غاليًا. هم أبطال الحياة الحقّ، لا أبطال الخيال الافتراضيّ.

القدّيسة صوفيّا الشهيدة وبناتها الثلاث بيستي (إيمان)، وألبيذي (رجاء)، وأغابي (محبّة)، بطلات أربع حقيقيّات من أبطال الإيمان استشهدن في سبيل الإيمان، ولم يتراجعن أمام ظلم الأمبراطور وحقده على المسيحيّين. نقرأ سيرتهنّ بورع وإعجاب، ونطلب شفاعتهنّ، غير أنّنا بذريعة الحفاظ على أبنائنا وتأمين مستقبل زاهر لهم، نهاجر طلبًا للرفاهية ورغد العيش. أليس في هذا السلوك نوع من الازدواجيّة والانفصام في الشخصيّة؟ لم تفكّر صوفيّا في إنقاذ بناتها، بل ارتضت أن تحيا يومًا بيوم، “يكفي كلّ يوم شرّه”، “خبزنا الجوهريّ أعطنا اليوم”…

القدّيسة كاترينا الكلّيّة الحكمة “العظيمة في شهيدات المسيح” وضعت كلّ طاقاتها العقليّة والعلميّة والفلسفيّة في الدفاع عن الكنيسة، وتخلّت عن مغريات هذا الدنيا، هي التي تشير سيرتها إلى “جمالها الفائق وحُسنها الجذّاب”، لم تستكـبــر بمواهبـها لتغـذّي أنانيّتـها وغـرورها، بل استعملت هـذه المـواهب لدعـم الإيمـان وترسيـخه في قلوب المؤمنين، “لم تستهن بحداثتها”، فأصبحت منارة في الكنيسة. الآن، نمتدح كاترينا، ونسمّي بناتنا باسمها… لكن هل ثمّة مَن يريد التمثّل بها، فيخدم الكنيسة بعلمه ولو اقتضى ذلك الاستشهاد، أم أنّه سيبحث عن فرصة عمل تبعد عنه كأس الشهادة؟

القدّيس جاورجيوس العظيم في الشهداء، الجنديّ المحارب، تخلّى عن سلاحه واستشهد في سبيل الإيمان. كان بمقدوره أن يقاتل مضطهديه، لكنّه فضّل أن يواجه وجه ربّه مقتولاً، لا قاتلاً. هذا الشهيد الذي اتّخذته معظم كنائسنا شفيعًا، يصرّ المؤمنون على تصويره مقاتلاً، حتّى إنّ إحدى أيقوناته، زمن غزو المغول للعراق، تصوّره يقتل جنديًّا مغوليًّا عوضًا من التنين. قال لي حبر جليل، كبير المعلّمين في القرن العشرين، حين تحدّثنا عن القدّيس جاورجيوس، إنّ المسيحيّين يحبّون الشهداء، فقلت له خشيتي، يا سيّدي، أن يحبّ المسيحيّون المقاتلين لا الشهداء.

ربّة منزل، فيلسوفة، قائد جيش، وسواهم… التزموا بإيمانهم إلى أقصى ما يتطلّبه الإيمان، فبقوا أحياء، في هذا العالم وفي العالم الآتي، نبراسًا للكنيسة والمؤمنين باسم يسوع. ولو استسلموا آنذاك لمقتضيات الحياة في هذا العالم وهاجروا إلى حيث الرخاء ورغد العيش، لما استمرّت المسيحيّة في ديارنا إلى اليوم. ولو لم يصمد جدودنا بالجسد، وآباؤنا بالإيمان، لكانت المسيحيّة اندثرت من هذه البقعة المباركة كما اختفت من بلدان مجاورة لنا… يكفي أن يستسلم جيل واحد لـ”واقع” الأمور، وفق مفاهيم هذا الدهر، كي تزول المسيحيّة عن الوجود.

ما شئنا، في هذه العجالة، سوى حضّ أنفسنا على الابتعاد عن الازدواجيّة. وليست الغاية من سير القدّيسين أن نُعجب بهم وباستشهادهم وحسب، بل الغاية هي أن نصبح نحن، بدورنا، قدّيسين وقدّيسات على مثال أسلافنا، وذلك يكون بأن نقتدي بهم وبثباتهم وصمودهم. ويبقى سلاحنا الرجاء بمَن مات من أجلنا ليخلّصنا، أمّا سوى ذلك فباطل، كلّ شيء باطل.

 

مجلة النور، العدد الأول 2015، ص 2-3

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share