مقابلة مع المتروبوليت سابا (اسبر) – الجزء الأول

mjoa Friday February 20, 2015 337

esber1لقاؤنا الأول اليوم مع وجه أنطاكي، لاذقيّ المولد، دمشقي العشق، حوراني المرساة، شاهداً لمن أودَع له حياته أينما حل، و ما أصعب أن نقدم شهود الكلمة بكلمة حقّة…

سيدنا سابا(اسبر)، متروبوليت حوران و جبل العرب و الجولان، يُطِلُّ علينا من أبرشيته المفتَقَدةِ من الله، يحمل وجعه من واقع الكنيسة المُؤلم في أماكنَ عِدَّة، و يتكلَّم برجاءِ من عرفَ أنَّ بهاء الرّوح، شعَّ و يُشعُّ متجاوزاً كُلَّ تُرابٍ فينا.

هذا الحوار أردناه بعضاً من إضاءةٍ على وجهٍ، أنار و ما يزال، في عتمات الكثيرين ممَّن تغرَّبوا عن وجه يسوع، أردناه أولاً رحلة شخصية لنتعرفَ عن قربٍ أكثر، كيف اصطاده السيد و جعله من خاصّته، و ثانياً لنتعلم بعضاً من خبرةِ ترجمته العمليّة لعشق يسوع، بعضاً من سبلِ الشّهادة في وجوه(الفقراء)، و كلُّنا، إذا جاز التّعبير، فقراءٌ إلى وجههِ و إلى كلّ إطلالة منهُ.

انطلقتُ يمَّ مدينة السّويداء صبيحة يومِ أحد، تُراني كنتُ أصرُّ أن أزور الأبرشية القائمة في يوم قيامي، أم كان طمعي بقداس دافئٍ بكل المعاني رغم البرد الذي كان ينخر العظام.

بعد طعام الغداء المميز ليس فقط بالنكهة، بل بشركة أسقفٍ يحمل من الوداعة و بساطة الكلمة و عمقها، ما يجذب أو ربما، إلى هذا، هو الروح الحاضر الذي يكمن فيه كلُّ السّر.

و ابتدأنا حوارنا…

– السامرية التقت السيد عند البئر، ولمّا عرفته تغيّرت حياتها جذرياً، سيدنا أين و متى التقاك السيد؟ وكيف غيّر حياتك؟

– لم أختبر لقاءً كلقاء السامرية، غيَّر لي حياتي بهذا الشّكل. أختبر ميلاً للأمور الروحية منذ صغري. لكنها لم تتغذَّ بالسبل التقليدية المعروفة في الكنيسة، وإنما ضمن الإطار الشعبي الذي كان متوفراً في البيئة التي نشأتُ فيها. كنت أجد راحةً وفرحاً ورغبةً بهذه الأمور. والأمر الأساسي الذي لعب دوراً في توجهي الروحي، كان مرض أخي. لقد جعلني أعي الألم البشري باكراً. مرض أخي وما رافقه من معاناة أليمة كان يعيشها والديّ، خاصة بعد كل نوبة تنتابه، كانت تترك أثرا عميقا في داخلي. فتحت هذه المعاناة عينيَّ باكراً على السؤال المصيري: الحياة، وجودها، هدفها، معناها ..لماذا خُلِقنا؟ لماذا الألم؟ لماذا المرض وسائر الشرور الموجودة في دنيانا؟! نشأت في مناخ وجودي تساؤلي. بدأتُ أطلب أجوبة عن هذه الأسئلة، مُبكّراً جداً. أذكر أنني كنت، منذ سن الثانية عشرة، ألتهم أي كتاب يمكن أن يقدّم لي جواباً، أكان يناسب عمري وفهمي أم لا. رافقني البحث والسؤال منذ تفتح عيني على الدنيا. لذلك لم تكن ألعاب الصبية في الحي

esber2تستهويني، فكنت أقضي أكثر وقتي بين القراءة والأشغال اليدوية. ساعدني جو البحث هذا، والأشخاص الذين وضعهم الله في طريقي، في لقاء الله شخصياً، والتوجه نحوه. أما إذا أردتِ لحظة إيمانية مفصلية في حياتي… فأقول لكِ إنها تمّت عن طريق قراءتي لدوستويفسكي. كنت في الصيف الذي سبق الثانوية العامة (البكالوريا)، حينما وجدت الجواب الإيماني الذي أنهى مرحلة إيمانية من حياتي. وكنت، آنذاك، أمرّ بمرحلة الشك في قضايا الإيمان. ولم تكن الأجوبة المسيحية، التي توفرت لي حتى ذاك الوقت تكفيني وتقنعني. لكن شخص المسيح كان يشدني إليه. وأنا في هذا القلق وجدت كلمات دوستويفسكي في شخص المسيح. إنها كلماتٌ فاتنة …في نهاية المقطع الطّويل الذي يصف فيه المسيح بأجمل الأوصاف، يبدأ سطراً جديداً يقول: “و أكثر من هذا، لو تيقنت أن المسيح في وادٍ والحقيقة في وادٍ آخر، لفضلّت المسيحَ على الحقيقة”. كانت هذه الجملة مفتاح دخولي قصر سيدي … لمسني الروحُ القُدس وصار شخصُ المسيح الجواب الأفضل الذي على ضوئه بتُّ أرى كل شيء. هذه كانت لحظة استدارتي النهائية نحو المسيح، وتالياً كنيستَهُ.

– بعد هذه الاستدارة النهائية، كيف كانت البدايات في اللاذقية ومن هم الأشخاص الذين أثّروا فيك وتركوا بصمة واضحة ؟

– الجو الكنسي الذي نشأت فيه، وأنا في المرحلة الابتدائية كان بروتستانتياً، كنيسة البروتستانت كانت قريبة من منزل جدّي لأبي، حيث كنت أقضي أكثر أيام عطلي المدرسية. كانت كنيسة ناشطة خاصةً في حقل مدارس الأحد للأطفال. في المرحلة الإعدادية وبدايات الثانوية نشأتُ كنسياً في مناخ لاتيني. لم يعد يستهويني تعليم البروتستانت المرتكز إلى الإنجيل، والمهمل، في الوقت ذاته، أقرباء المسيح وأصدقاءه. بحثت عن كنيسة أخرى، وكانت الكنيسة الكاثوليكية عبر الطقس اللاتيني، تركَت الراهبات الكرمليات أثراً عميقاً في داخلي. فقد ظهر وجهُ المسيحِ عبرهن أكثرَ ألقاً وجمالاً. كُنَّ مميزاتٍ حقّاَ في ذلك الوقت، رصيناتٍ على محبةٍ للمسيحِ وللنّاس حقيقية. عدد منهن كن لاذقيّات من عائلاتٍ أرثوذكسيَّةٍ راقية ومثقفة، على نمطِ عائلةِ أبونا الياس (مرقص). وجدتُ عندهن، عكس الرهبان الفرنسيسكان الذين بدأتُ معهم، رُقياً في التعامل وروحانية أقرب إلى الشرق منها إلى الغرب، مع لمسة إنسانية ولطف جذّاب. كنت الشاب الأقرب إلى عيشهن وحياتهن اليومية، فتعلقت بالمسيح أكثرَ فأكثر.

هل لنا ببعض خبراتٍ حيّة؟

سأروي لك حدثين أثّرا فيّ كثيراً. الأولى وكنت في الأول ثانوي (العام 1974)، حينما لاحظت راهبة منهن، فرنسية، ميلي إلى الكهنوت. كلّمتني عن الدعوة الكهنوتية وأهمية الرعاية. وأطلعَتني على حاجة كنيستي الأرثوذكسية إلى كهنة شباب من نوع جديد. ونصحتني بأن أفاتح مطراني (أغناطيوس هزيم) بهذا الأمر كونه قادرا على تفهمي ورعايتي، كما أبدت استعداداً شخصياً لتعريفي. إنها خبرة إيجابية جداً، خاصّة إذا ما قارنتُها بخبرتي مع راهبات العائلة المقدسة ورهبان الفرنسيسكان التي كانت سلبيةً جداً، ونفرتني منهم.

الحدث الثاني تم بعد سنتين. كانت الحرب اللبنانية قد بدأت. وبعدما تهجرت راهبات مار يعقوب ددّه من ديرهن أتين اللاذقية واستضافهن دير الكرمل طوال الصيف. قبل مغادرتهن أهدت الرئيسة مسبحة أرثوذكسية لكل راهبة من الكرمل، عربون شكر وأخوة.

كنتُ، مرّة، أصلّي في كنيسةِ الرّاهبات الخاصة صلاة يسوع وبيدي مسبحتهن الكاثوليكية. حينما دخلَت راهبة منهن تأخذ شيئاً من الكنيسة وغادرَت بسرعة، لتعود وبيدها المسبحة الأرثوذكسية التي أهدتها إيّاها راهبات مار يعقوب، وتدفعها إليّ.

– جميل جداً، سيدنا. لنتابع في اللاذقية، كيف كانت البدايات مع الحركة؟

– مع بدايات المرحلة الثانوية تعرفت على الحركة، بواسطة سيدنا بولس (يازجي)، أعاده الله سالماً. وكان مرشد الفرقة الأخ ميشال بيطار. إنسان وديع وبريء إلى أقصى الحدود، رحمه الله. رافقَنا بعده غبطة البطريرك الحالي (يوحنا) لمدة شهرين. تركَنا ليلتحق بمعهد اللاهوت في البلمند.

في الحركة فتحت عيني، بمعرفة، على كنيستي، وللمرة الأولى. ووضع الله أمامي أشخاصاً مملوءين من نعمه ومحبته. فعرفتُ قيمةَ هذهِ الكنيسة، التي يصف الأب ليف جيلله حالها المذري بشرياً، بكلماتٍ جميلةٍ جدّاً، يختُمها هكذا: “وحدها تعرف كيف تنشد المسيح قام”.

esber4أحببتُ كنيستي وبدأتُ أعي أهميّتها وأصالتَها، وأقارنُ بينها وبين الكنيستين اللّتين نشأتُ فيهما قبلاً، فتزيدُني المقارَنة تعلّقاً بِها. بعد سنتين كنت قد ألقيت بنفسي في حضنها كلياً.

انخرطتُ بحماسٍ ورغبةٍ شديدَين، وتكريسٍ شبه كلّي في الحركة، بعد ما دخلتُ فيها والتزمتُها بأمانة. تعرّفت إلى أخواتٍ (الأم مكرينا حالياً والأختين أرسانيا ومريم) يطلبنَ التّكريس الكلّي للرّب. كنّا نلتقي أسبوعياً، في جوّ صلاةٍ وقراءة روحيّةٍ، بإشراف، البطريرك يوحنا، الذي كانَ، آنذاك، يدرسُ اللاهوتَ في اليونان. تتلمَذنا على ما توّفر من كتب الآباء، التي لم تكن كثيرةً، أتكلم عن أواخر السبعينيات. كنّا نقرأ ما يرسله الأخ هاني (البطريرك يوحنا) من ترجمته، وممّا يصدر عن دير الحرف. لعبت هذه المجموعة دوراً في بلورة دعوتي وتكريسي ووضعتني مع إخوة وأخوات يجاهدون سويّة، وجود إخوة كهؤلاء في حياة الإنسان يمكنه من الانطلاق بقوّة أكثر وينعكس عليه إيجابياً …

لا أنسى أهمية الاعتراف ودور الأبوين يوحنا (مطران اللاذقية الحالي) والياس (مرقص) المهم جداً في إرشادي وتعميقي في الحياة الروحية. في الحركة، عملت في أكثر من مجال إرشادي وفي عدة مراحل …كنت مُكرَّساً بشكل شبه كلي للكنيسة عبر الحركة. لم يشغلني سوى دراستي والحركة … كانت الحركة مدرستي الرعائية. اختبرت، فيها، الاحتضان الروحي والبشارة والتنشئة. لم يكن من فصل أبدا بينها وبين الكنيسة، ولم نكن نعرف آنذاك شيئا من التضاد أو التنافر بينهما. أتمنى أن يختبر كل شاب وشابة ما اختبرته فيها من أصالة كنسية.

أعتقد أن استيعابي لللّاهوت في ما بعد، كان استيعابا رعائيا. ساعدتني خبرتي الرعائية السابقة لدراسة اللاهوت كثيرا. (ست سنوات في الحركة، وسنة شماساً). أكسبتني هذه الخبرة استيعاباً عمليّاً للّاهوت. وهذا ما انعكس على نمط التعليم والوعظ عندي. فكثيراً ما يقال لي بأن نَفَس تعليمي عَمَليّ. أعتقد أن الفضل فيه يعود إلى الهم الرعائي الذي نما عندي في جو الحركة منذ مرحلة الثانوي ..ولا أنكر أنّ خبرتي عند اللاتين فتحت عيني على هذا النفس الرعائي الذي هو بالأصل ضعيف في كنيستنا الأرثوذكسية، فبت أتحسس له برهافة .أعتقد أنّ كل ماذكرت لعب دوراً في بلورة شخصيتي وعملي الكنسي.

– هل لاقيت خلال هذه المسيرة معارضة من الأهل؟

– طبعاً، ومعارضة شديدة جداً.

-كيف تعاملت معها ؟

– بطريقة شبابية وعناد(يدل على عدم نضوجي) حيناً، وبمراعاة واستيعاب حيناً آخر، خاصة السنة الجامعية الأولى. أطعتُ نصيحة سيدنا يوحنا (مطران اللاذقية) بخصوص استكمال دراستي الجامعية ودرست الهندسة المدنية، والتعامل مع أهلي، من أجل أن يتفهموا دعوتي ورغبتي. ساعدني سيدنا بولس بندلي، كثيراً، خاصة عندما كنت أختبر اختناقا يعيقني عن متابعة دراستي. كانت فترة صعبة علي. فقد كنت جسديا في مكان وقلبيا في مكان آخر. لكني، أشكر الله لأنّي أطعتهم. فقد منحتني الدراسة الجامعية خبرة حياتية واجتماعية ورعائية وحتى كنسية، وأكسبتني عقلية رياضية، أغنتني جداً. أذكر أن مشاكل الكنيسة لم تكن تهزّني، كما كانت تفعل بزملائي البلمنديين القادمين مباشرة بعد البكالوريا. في نهاية المرحلة الجامعية، تيقّن أهلي من ثبات دعوتي، لكنهم لم يرضَخوا. تيقّنوا أنهم لن يغيروا توجّهي على الرّغم من أملهم بأن تغيرني الحياة الجامعية.

esber3كانت أمي تستلطف إحدى زميلات الدراسة وتمنّي النفس بعلاقة غرامية بيني وبينها. نصحَتها أمي مرّة، ونحن في سنة التّخرج، بالابتعاد عني، خوفاً عليها من سلوك طريق الرهبنة.

أخبرت والدي، يوم تخرجي، بأنني قد أوفيت وعدي وجاء دور والدَي. قرّروا مقاطعتي لكنهم لاحقاً شاركوني رسامتي، فوجئتُ يومَ رسامتي أيبوذياكوناً بأبي وقد سبقني إلى الكنيسة . كانت مسيرة طويلة لكنها مليئة بالبركات والخبرات المثمرة …علمتني الصبر والاستيعاب وعلمتني أن أتفهم أهلي وأراعيهم.

– ماهي أهم البصمات التي تركتَها في اللاذقية قبل مغادرتك إلى دمشق وسيامَتك أسقفاً … نذكر مثلاً مجلة فرح التي بدأت في اللاذقية ..

– نعم … مجلة فرح للأطفال وفرح للأهل بدأت في اللاذقية، و لكن يجب أن تسألي رعية اللاذقية عن البصمات فهم سيخبرونك بشكل أفضل مني. أما من جهتي، فأعتقد أن الأثر الأكبر الذي تركته في اللاذقية، هو نوعية النَفَس الرعائي الذي أوجدته … إنه نَفَس مُشرق وراقي يحتاجه الإنسان المعاصر اليوم ..وأرجو أن يكونَ قد أثمر .. كان الجو الرّعائي في اللاذقية جامداً وتقليدياً جداً ..أعتقد أنني فتحت الرعاية على آفاق إنسانية عصرية تعرف أن هدفها خلاص النفوس. خلقت أطرا جديدة للرّعاية كانت الشبيبة والعائلات، والإنسان الحالي، عموما، بحاجة لها. وإذا كنت آسف على شيء هو أنّ هذا النَّفس الذي بدأتُ بِه لم يكن قد تثبت وانغرس وبدأ بإعطاء النتائج حتى يستمر من بعد مغادرتي بنفس الروح …ربما استمر الإطار ولكن ليس بالروح ذاتها.

– هل هذا النَّفَس المختلف من أسبابه هو تجربتك مع الكنائسَ الأخرى قبل الالتزام بالكنيسة الأرثوذكسية ؟

– من المؤكّد أن خبرتي مع الكنائس الأخرى لعبت دوراً مهماً، خصوصاً أنّ علاقتي بهم عرّفتني بشخصيات إنسانية راقية، طبعت خبرتي بتميّز خاص. كان الجو الموجود آنذاك عند الراهبات لافتاً، لي على الأقل، على الصعد الإنسانية والحضارية والروحية والاجتماعية. وتعرفت من خلالهن على كهنة ورهبان وراهبات أجانب. وتفتحت آفاقي على عالم كنسي أوسع من الجو الذي كنت أعيشه في محيط اللاذقية الضيّق.

تابعونا في الجزء الثاني….

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share