مقابلة مع المتروبوليت سابا (اسبر) – الجزء الرابع والأخير

mjoa Friday March 13, 2015 400

مقابلة مع المتروبوليت سابا (اسبر) 

الجزء الرابع والأخير

على الصعيد الحركي:

part4– عندما قامت الحركة في البدايات الحركة كان هناك وضع أنطاكي مختلف، يتسم بالقفر الشديد، اليوم الوضع الأنطاكي مختلف تماماً عن ذاك الزمن، كيف ترى دور الحركة اليوم في أنطاكية؟
لستُ مقتنعاً بأنّ الوضع كان بهذا السوء عندما نشأت الحركة و الآن أصبح جيداً جداً. حتى الآن، الكثير من أولادنا اليوم يذهبون إلى الكنائس الغربية، و الكثير منهم، يفتقدون الرّعاية و يشعرون أن كنيستهم بعيدة عنهم، حتى اليوم أولادنا لديهم موقف سلبي من الكنيسة ، لا يقومون بدورهم معها و يتشكّون منها، و الكنيسة تتشكّى منهم، أي لسنا في عصر ذهبي، هذا للتوضيح فقط.

– لسنا في وضع ذهبي و لكننّا لا ننكر أن هناك فرقاً بين ما كان و ما نحن عليه اليوم مع كل النواقص التي نراها…
أعتقد أنه على الحركة إعادة قراءة منطلقاتها التي وضعت منذ سبعينَ عاماً. هل ما تزال مناسِبة اليوم؟ الحركة بحاجة إلى قراءة جديدة لدورها ومكانتها وطريقة عملها، لا أستطيع أن أحدد أنا ما هو دورها. هذا بحاجة لمجموعة تلتقي وتبحث وتصلي لكي تكتشف الدور المطلوب هنا والآن. توجد متغيرات كثيرة على صعيد المجتمع والحياة والكنيسة منها الإيجابي ومنها السلبي. توجد تحديات قوية، وإفرازات اجتماعية جديدة بالكلّية لم تختبر الكنيسة مثيلاً لها في السّابق. أرى أن الحركة مستهَلَكة جداً بالقيام بما اعتادت على القيام به وهي بالكاد تستطيع القيام به اليوم وسط المتغيرات الجديدة، وتالياً لا تجد الوقت لكي تفكر بالمستجدّات بشكلٍ كافٍ.

– أين تجد  نقاط القوة والضعف اليوم في الحركة؟
أفضّل أن أقول ما يفرحني وما يحزنني في الحركة. يفرحني أن أرى شباباً ملتزماً بكنيسته بشكلٍ ممتاز، شباباً ما زالت الحركة قادرة على استقطابه ودعم التزامه. يفرحني أن الالتزام الإيماني ما يزال في الحركة مرتبطاً بالوعي الإنجيلي و لا تزال الحركة تشدد على عيش إيماني نابع من الالتصاق بالأسرار الكنسية والتعليم الروحي الصافي.
ويحزنني أن أرى أنّ  صِداماً بين الحركة  وبعض المؤسسات الكنسية. أيضاً أحزن عندما أرى انغلاقاً فيها في بعض المناطق و احتكاراً لعمل معين اعتادت على العمل فيه. البعض من أفرادها  يعتبرون أنّ بعض الأعمال التي تقوم بها الحركة يجب أن تبقى محصورة فيها. هذا انحراف في الحركة عما تعلمتُه فيها ونشأتُ عليه على الأقل.

–  كيف ترى اليوم علاقة الحركيين بالإكليروس، البعض يرى أن الإكليروس يختصر الكنيسة و البعض من الإكليروس  يرى أن الحركيين يحاولون اختصار الكنيسة، في بعض المناطق العلاقة جيدة جداً و في بعض المناطق الأخرى على العكس تماماً.. كيف ترى العلاقة كما يجب أن تكون؟
أنا لا أستطيع أن افهم علاقة الحركيين بالإكليروس إلا كعلاقة كل شعب الله مع بعضه، وليس الحركيين فقط. الكنيسة الأرثوذكسية قائمة على التناغم ما بين المادي و الروحي ، التناغم ما بين الأرضي و السماوي، التناغم ما بين الإكليروس و المؤمنين. هذه  تركيبة كنيستنا، و هنا تكمن قوّتها و كذلك هنا معطوبيّتها، لأنَّ التّناغمَ يتطلّبُ أطهاراً و قدّيسين. لذلك أحزن عندما أرى تنافراً و تصادماً لا معنى لهما. و لا أفهم لماذا يوجدا؟ و إذا أردنا أن نبحث أسبابهما، فإني لا أجد سوى الأنانية وضيق الأفق ونقص السلوك الحضاري. علامات الخطيئة من تعالي وتكبر وتطرف وتسلط …إلخ. في النّهاية نحن أبناء هذا المجتمع ونحمل أمراضه ونُظهرها في كنيستنا. لماذا ليس العكس؟ لأننا، وأقولها بمرارة، أبناء هذا المجتمع، أكثر مما نحن أبناء المسيح.

عندما نصبح أبناء المسيح أكثر، بدءاً مني أنا، نصبح غير ما نحن عليه اليوم و تبدأ هذه المشاكل بالتلاشي. أعتقد أنّ الحركيين مدعوون إلى نبذ فكرة احتكارهم لأي عمل في الكنيسة. هم تيّار أراده الله في هذه الكنيسة وما يزال يريده. و التيّار ليس المحيط بكامله. فإذا كان هناك بعض مشاكل في بعض المناطق فهذا خطأ و يجب إصلاحه.
 وهناك بالمقابل أطرافٌ أخرى أيضاً تحارب الحركة من المنطلق ذاته الذي ذكرته سابقاً. لذلك يحدث الصّدام. أعتقد أن المؤمن الذي يكون مع المسيح حقاً لا يجب أن يحكمه الخوف، سواء كنّا إكليروس أو حركيين، أو بأي جمعية أو مؤسسة، فكرة الخوف، أخاف أن يأخذوا مني، أخاف أن يؤثّروا علي، أن ينقص مدخولي، إن كنّا نعمل للمسيح و لكنيسة المسيح علينا أن نتعلم التكامل. أتمنى على الحركيين أن ينشروا، ما أمكنهم، ثقافة التكامل، بالفعل و ليس بالكلام. أن يكونوا مثالاً للتكامل، الذي، باعتقادي، هو أكثر ما تحتاجه كنيستنا اليوم. أن يكون لدينا ثقافة التكامل و ليس ثقافة تنافر واحتكار، بالآخِر المسيح ليس حكراً على أحد هو للجميع.

–  و هذا جزء مما جاء في خطاب سيدنا البطرك، دعا للمشاركة
كلنا نشارك و لكن كل واحد ينظر إلى أن الطريقة التي يعمل بها هي الصحيحة و الباقي يجب أن يتبعوه. علينا أن نتكامل، الله خلقنا مختلفين لنتكامل، و بتكاملنا تكتمل كنيسة المسيح.

– ما رأيك بالمنشورات الحركية و الكتب التي تصدر عن تعاونية النور؟
الكتب التي قدمتها منشورات النور و الدّور الذي لعبته خلق مكتبة مسيحية أرثوذكسية عربية ضخمة جداً و أتمنى أن يظلّوا مستمرّين بنعمة الله، هذا من أهم الأشياء المبارَكة التي لعبت دوراً في رفع منسوب الوعي الأرثوذكسي.

esber12ننتقل إلى الوضع الأنطاكي العام

– تم مؤخراً إعلان قداسة الأب باييسيوس الآثوسي، هل هناك مسعى لإعلان قدّيسين جُدد في الكنيسة الأنطاكية؟
سيدنا البطرك قام بتشكيل لجنة لهذا الموضوع، و هناك عدة أسماء كانت مطروحة في هذا الموضوع. وهنا أريد أن أقول أن روح القداسة، و روح التّقوى التي تنجب القداسة، ضعيفة في الكرسي الأنطاكي. لذلك قلائل هم القديسين الذين نلحظهم بيننا، لأنّ حس القداسة والحياة التقديسية ليس بالمستوى المطلوب. عدم ملاحظتنا للقديسين، لا يعني عدم وجودهم بيننا. روح التّقوى عندنا أضعف من روح التعقلن. الالتزام العقلي أقوى من الالتزام الحياتي. نتكلم ونتفذلك أكثر مما نصغي ونصلي.

–  هل هناك طرح أنطاكي محدد للمجمع الأرثوذكسي الكبير؟
أنطاكية تميّزت عبر التاريخ، خاصة الحديث، بدور يجمع لا يفرق. و بدورها تشدد اليوم على أن تكون المواضيع المطروحة ذات بعد رعائي يمس الإنسان المعاصر. المؤمنون ينتظرون ملامسة جراحهم وتحدياتهم. إذا لم يحقق المجمع الكبير هذا الأمر فالأفضل أن لا ينعقد. كفى الأرثوذكس مهرجانات. لأنطاكية دورها المميز في هذا المجال، وهي تلعبه بجدارة.

–  ما هو رأيك بموضوع أرثوذكس الشتات، في أمريكا، أوروبا و غيرها..
لاهوتياً هذا ليس بالوضع السّليم و لكن عملياً هذا يحتاج إلى زمن كي يصل إلى الوضع السليم، لأن من يغادر أرضه إلى أرض ثانية لا يستطيع أن ينسى تراثه بسهولة، يجب أن يأخذ الزمن حقه و في الوقت نفسه معظم الكنائس الأرثوذكسية قائمة من اضطهاد و من تاريخ سقيم ، تواجه أزمات وجودية كبيرة مما يجعلها تتمسك أكثر بأبنائها بالشتات لأنهم يقدمون لها الدّعم و العون و القوة و نحن اليوم في أنطاكية كمثال، الوضع الذي نمر به في سورية و لبنان، و بالشرق، هذا أيضا يؤخذ بعين الاعتبار بشرياً لا نستطيع أن نتجاوزه، و لكن بالوقت نفسه للأسف هناك إعادة نهوض و استفاقة للقومية الكنسية هذه ستكون مؤذية كثيراً إذا استمرت بالعالم الأرثوذكسي.

esber13في الرعاية

– سيدنا أنت من أكثر الأشخاص الذين اهتموا بموضوع الرّعاية و تكلّمت و كتبتَ عنه كثيراً… ما هي المعوقات على الأرض التي واجهتك في الرعاية هنا في أبرشيتك و بشكلٍ عام في أنطاكية ما هي المعوقات التي تقف في وجه ذهابنا نحو رعاية أفضل؟
في الأبرشية واجهني و ما يزال، تحدي وجود كهنة من النّوع الذي تتطلبه الرعاية في أبرشية لها خصوصيتها. كذلك التحدي المالي. النَفَس التبشيري تحدّ له أولوية. كيف نؤمّن كهنة رساليين، مبشّرين. لا يختصر الكاهن الرعاية في الزمن الحالي. هناك دور لرعاية الجماعة عبر مؤمنيها. في الأبرشية هذا الأمر شبه معدوم. ينقصني وجود مؤمنين عندهم استعداد للعمل. المؤمنون هنا ليس لديهم خبرة في الانتماء إلى الكنيسة. الكنيسة بالنسبة لهم مكان يأخذون منه و ليس مكاناً يعملون فيه. لم يتعلموا عبر مئات السنين، لم يكن من يدربهم على شيء. هذا شيء بالنسبة لي مؤلم جداً و يتعبني و يسبب لي إحباطاً في بعض الأوقات، يؤلمني في العمق، أنني لا أستطيع أن أطبّق في أبرشيتي معظم ما أنادي به.

– ما السبب وراء قلة تجاوب الناس؟ أعداد الكهنة؟ سنين الإهمال الطويلة؟ الوضع المادي الصعب؟ أو ماذا؟ ..
أعتقد كل الأسباب مع بعضها، عدم تجاوب الناس هو أحد الأسباب الرئيسة. وعدم توفّر الروح الرسالية التبشيرية  في أنطاكية، خاصة بين الكهنة، سبب رئيس آخر. هل يتوفر كاهن أو مؤمن مستعد للعيش ولو لفترة في منطقة فقيرة و معترة كي ينهضها روحياً؟ بالإضافة إلى أن الأبرشية ليس لها مقومات أبرشية. يفترض أن نعيد النظر في توزيع جديد للأبرشيات. هذه أسئلة تحتاج أن يخاض فيها وحدها و يمكن أن نعمل عليها كتاباً نتوسع فيه فصلاً فصلاً.
إضافة، كما قلت لكِ، أنّ حس القداسة ضعيف وليس كما ينبغي في أنطاكية، أحياناً نريد أن نقوم بدورات إعداد مرشدين، لا نجد من يأتي إلى هنا في بعض المرات، ليس لدينا روح البشارة هذا من المعوقات الأساسية.
أما على الصعيد الأنطاكي، فشعوري أنّنا لسنا واعين بالقدر الكافي ما تتطلبه رعاية الإنسان المعاصر من طاقات و من إمكانات ورؤى، ما زلنا نعمل بطرق تقليدية، ما يخطر في بالنا و ما يلهمنا إياه الله و ما عندنا من ميل. ما يزال الوعي بمتطلبات الرعاية و أهميتها و نوعيتها و إمكاناتها قاصراً. لم نحتضن الإنسان المعاصر بحسب حاجته، بل كما نعتقد هذه الحاجة.

esber14– هل هناك بالمقابل خطة للتّغيير إن كان هنا في الأبرشية أو على الصعيد الأنطاكي لإعداد أشخاص، لأنه بالمقابل هناك الكثير ممن يحبون الله و يرغبون بالعمل في البشارة و لا يجدون من يرعاهم.
بما يخصّني، لدي الكثير من الأحلام و الرؤى، و لكن تربة الأبرشية لا تسمح لي بتطبيقها، أوضعها موضع اختبار. التربة تتطلب العمل ببطء شديد.

– و على الصعيد الأنطاكي هل الوضع الرعائي يأخذ أولويّة كما يستحق؟
ما أعرفه أنّ الدافع الأساسي إلى انعقاد مؤتمر الوحدة الأرثوذكسية دافع رعائي، لكن هل حقّق هدفه؟ أو هل يحتاج إلى الكثير من الوقت ليحقّقه؟ الإجابة عليه في المستقبل. الدافع إلى انعقاد المؤتمر، عند غبطته و أعضاء المجمع، هو دافع رعائي صرف.

الإعلام

– كيف ترى إعلامنا الأرثوذكسي اليوم و الإعلام المسيحي بشكل عام، هل يحقق دوره؟
أستطيع أن أقول أن إعلامنا الأرثوذكسي في البداية، يتلمس طريقه. و مع سيدنا البطرك الحالي أصبح هناك اهتمام و وعي بدور الإعلام،  لكنّه (إعلامنا) لا يزال في البدايات يتلمس طريقه ولا نستطيع تقييمه حالياً.
عموماً، بما يخص الإعلام المسيحي، لا أرى أنّ قواعده الإيمانية ثابتة و واضحة. مرّة يكون عاطفياً و أحياناً يدخل في الشأن الآني. ليست انطلاقته انطلاقة مؤسسة على لاهوت ثابت، هذا يقلقني.

– الإعلام المسيحي الفعال و القوي، ما هي رسالته برأيك؟
أن يوصل وجه المسيح الصافي

 كلمة أخيرة

رغم كل الصعوبات التي نمرّ بها هناك أشياء حلوة كثيرة، لدينا آمال كبيرة جداً. أتمنّى أن نتحلّى بالصبر لأن التّجديد لا يتحقّق دفعة واحدة. وبناء النفوس يتطلب الكثير من الزمن ليصبح واقعاً. من المفيد أن لا نبقى أسرى أحلام وتطلعات كبرى، تحجب عن نظرنا ما يتم من أشياء إيجابية و مفيدة. لننتبه من هذا الخطر. بسبب محبتنا و رغبتنا و توقنا إلى ما هو أفضل لا نرى الحسن الذي يتحقق.

 و أما نحن في موقع الحركة فوجدنا في كلمات “الحركي” المطران جورج خضر، التي قالها في رسامة سيدنا سابا، ألقَ الختام الحق،
 (أنت و هذا النفر الطيّب من كهنتنا و أساقفتنا الجدد ستحملون المسيح في مدى هذا المشرق و ربّما إلى أقاصي الأرض… لا تستهينوا بمهمتكم، هي ليست أقل من أن يغلب المسيح العالم).  

انتهت المقابلة

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share