ميلادنا الآتي

الأب جورج مسّوح Wednesday December 23, 2015 7

“إنّ المسيح لأجل محبّته اللامتناهية، قد صار مثلنا لكي يجعلنا مثله”. هذه العبارة التي قالها القدّيس إيريناوس أسقف ليون (+202)، وتبنّاها التراث الآبائيّ الكنسيّ، توجز كلّ الكلام اللاهوتيّ عن فعل تأنّس ابن الله. فهذه العبارة تحدّد الهدف الذي من أجلّه صار ابن الله، الإله الأزليّ، إنسانًا تامًّا، وهو أن يرتقي الإنسان إلى المثال الذي خلقه الله عليه، منذ خلق آدم وحواء. وهذا المثال المنشود قد تجسّد في شخص يسوع المسيح المولود في بيت لحم.

يؤكّد القدّيس أثناسيوس الكبير بطريرك الإسكندريّة (+373) هذا التعليم اللاهوتيّ، فيقول: “لقد تجسّد ليؤلّهنا. وأظهر ذاته بالجسد، لننال معرفة الآب غير المنظور. احتمل إهانة البشر لنرث عدم الفساد. فلم يمسّه أيّ أذى، لأنّه عديم الهوى وعديم الفساد، وهو الكلمة ذاته والله”.

في السياق عينه يقول القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (+407): “الكلمة صار بشرًا، والسيّد اتّخذ صورة عبد. لقد صار الكلمة ابنَ الإنسان وهو ابن حقيقيّ لله، ليجعل أبناء البشر أبناء الله”. أمّا الهدف من هذا التنازل الإلهيّ فيعبّر عنه الذهبيّ الفم بهذا القول: “طبيعة المسيح لم تنقص بتنازله، بل رفعنا نحن الجالسين في الظلام والخزي إلى مجد لا يُنطق به”. ويذهب القدّيس غريغوريوس الكبير أسقف رومية (+604) المذهب ذاته فيقول: “لكنّنا نقول إنّ الكلمة صار بشرًا، لا بفقدانه ما كان له، بل باتّخاذه ما لم يكن. فقد زاد كلمة الله الآب، في سرّ تجسّده، على ما كان لنا ولم يُنقص ما له”.

يصرّ التراث الأرثوذكسيّ على التأكيد على أنّ المسيح لم يفقد شيئًا من ألوهته حين اتّخذ جسدًا وصار إنسانًا تامًّا. فالقدّيس هيلاريون أسقف بواتييه (+367) يقول: “كرامة اللاهوت حُفظت مع تجسّد الكلمة وصيرورته بشرًا. فتجسّده لم يُنقص ما له ككلمة. كما أنّه لم يتحوّل إلى جسد بحيث ما عاد كلمة. فالكلمة تأنّس ليصير الإنسان ما هو الكلمة عليه… الله لم يعرف التغيير عندما أوجد الجسد، ولم يفقد شيئًا ممّا له”.

لماذا صار ابن الله إنسانًا؟ ليس فقط لأنّه شاء أن يعلن ذاته للعالم باتّخاذه جسدًا، لكن أيضًا، وفق القدّيس أثناسيوس الكبير، “لأنّ الكلمة أدرك أنّ القضاء على فساد البشر لا يتمّ إلاّ بالموت من أجل الجميع. لكن يستحيل أن يخضع الكلمة للموت، لأنّه خالد لكونه ابن الآب. لذلك يتّخذ لنفسه جسدًا قابلاً للموت، مشاركًا الكلمة الذي هو فوق الكلّ، فيصبح قادرًا على أن يموت عن الجميع، ويبقى عديم الفساد بسبب سكنى الكلمة فيه. وبنعمة القيامة يتوقّف سريان الفساد إلى الجميع”.

عيد ميلاد المسيح هو مناسبة ليتذكّر المسيحيّون أنّ ابن الله قد حضر إلى العالم في شخص يسوع المسيح، هو “كلمة الله” الذي اتّخذ جسدًا حقيقيًّا، وهو الإله الحقّ والإنسان الحقّ، هو نفسه في طبيعتين كاملتين. فإذ نحن ذاهبون إلى العيد ينبغي لنا ألاّ ننسى أنّ الطفل الآتي يرغب إلينا ألاّ نعيّد لميلاده وحسب، بل لخلاص العالم الذي هو ثمرة التأنّس الإلهيّ، وبكلمة أخرى ثمرة الجود الإلهيّ.

الأب جورج مسّوح

موقع ليبانون فايلز، 23  كانون الأول 2015

 

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share