“فأَرِنا ظهورك الإلهيّ”

الأب جورج مسّوح Wednesday January 6, 2016 9

قانون الإيمان هو قانون العبادة. قانون العبادة هو قانون الإيمان. عبارتان توجزان نظرة الكنيسة إلى العلاقة ما بين الإيمان والعبادة، أو ما بين العقيدة والعبادة. فلا يجوز أن يكون ثمّة تناقض بين ما تؤمن به الكنيسة وما تقوله في عباداتها. وهذا الانسجام ما بين الأمرين نستشفّه في النصوص العباديّة، وبخاصّة في مواسم الأعياد الكبرى.

اليوم، السادس من شهر كانون الثاني (يناير)، عيد الظهور الإلهيّ المعروف لدى العامّة بعيد الغطاس. هو، لاهوتيًّا، عيد الظهور الإلهيّ وليس عيد الغطاس. فالكنيسة لا تعيّد لمعموديّة المسيح في نهر الأردنّ بل لظهور الثالوث الأقدس للمرّة الأولى في التاريخ البشريّ، وذلك بعد معمودية يسوع: “وللوقت وهو (يسوع) صاعد من الماء رأى السموات قد انشقّت، والروح مثل حمامة نازلاً عليه. وكان صوت من السموات: أنت ابني الحبيب الذي به سُررتُ” (مرقس 1، 10-11).

احتفلت الكنيسة بعيد الظهور الإلهيّ قبل أن تُدخل عيد ميلاد السيّد المسيح في تقويمها العباديّ. كانت الكنيسة، بالأحرى، تجمع بين الحدثين، حدث الميلاد وحدث الظهور، في عيد واحد هو عيد الظهور الإلهيّ. ثمّ فصلت بين العيدين، لأسباب عمليّة غير جوهريّة، غير أنّها ما زالت، عباديًّا، تعتبرهما عيدًا واحدًا.

في صلوات تقدّمة عيد الميلاد ثمّة ترنيمة تقول، بلا لبس، إنّ الميلاد لا يكتمل إلاّ بالظهور الإلهيّ: “اليوم يولد من البتول الضابط الخليقة بأسرها في قبضته. الذي هو بجوهره غير ملموس يُدرج في الأقمطة كطفل. الإله الذي ثبّت السموات قديمًا منذ البدء يتّكئ في مذود. الذي أمطر للشعب منًّا في القفر يغتذي من الثديين لبنًا. ختن البيعة يستدعي المجوس وابن العذراء يتقبل منهم الهدايا. نسجد لميلادك أيّها المسيح، فأَرِنا ظهورك الإلهيّ”.

هذه الترنيمة الميلاديّة تُرتّل في وسط الكنيسة وباللحن ذاته الذي تُرتّل به ترنيمة سحر الجمعة العظيمة: “اليوم عُلّق على خشبة الذي علّق الأرض على المياه. إكليل من شوك وُضع على هامة ملك الملائكة. برفيرًا كاذبًا تسربل الذي وشّح السماء بالغيوم. قبل لطمة الذي أعتق آدم في الأردنّ. ختن البيعة سُمّر بالمسامير، وابن العذراء طعن بحربة. نسجد لآلامك أيّها المسيح، فأَرِنا قيامتك المجيدة”.

يجدر القول بأنّ التشابه ما بين الترنيمتين بالألفاظ أو باللحن لا يعني البتّة ضحالة في الإبداع الفنّيّ أو الأدبيّ، بل يتضمّن إشارة واضحة إلى أنّ ارتباط الميلاد بالظهور لا يقلّ أهمّيّة عن ارتباط الصليب بالقيامة. فلولا القيامة، الركن الأساسيّ في الإيمان المسيحيّ، لما كان للصليب أيّ أهمّيّة. كذلك الأمر بالنسبة إلى الظهور الإلهيّ الذي لولاه لفقد الميلاد أهمّيّته.

كان المسيحيّون يتوقون إلى ظهور الله في حياتهم. كانوا يصلّون ويبتهلون دائمًا كي يأتي المسيح ثانيّة ويعلن ملكوته وسيادته عليهم. لم يكونوا يهابون الموت والاستشهاد لأنّهم كانوا يعتقدون أنّه السبيل إلى لقاء وجهه. ها هو القدّيس بولس الرسول يقول في أيّامه الأخيرة: “وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ، الذي يهبه لي في ذلك اليوم، الربّ الديّان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبّون ظهوره أيضًا” (تيموثاوس الثانية 4، 8).

ماذا يعني أنّ يحبّ أحدهم ظهور الله؟ بولس نفسه يجيب بأنّنا، نحن مَن يحبّون ظهور الله، علينا “أن ننكر الفجور والشهوات العالميّة، ونعيش بالتعقّل والبرّ والتقوى في العالم الحاضر، منتظرين الرجاء المبارك  وظهور مجد الله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح” (تيطس 2، 12-13).

لن يظهر الله إلاّ على التائبين. التائبون وحدهم سيعاينون الله “هنا والآن” وفي الدهر الآتي.

الأب جورج مسّوح

موقع ليبانون فايلز، 6 كانون الثاني 2016

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share