“الكنائس” الصغرى – المطران سابا (اسبر)

mjoa Tuesday May 17, 2016 97

“الكنائس” الصغرى – المطران سابا (اسبر)
تُعتبر العائلةُ الكنيسةَ الأولى للمؤمن، ففيها يتعلّم أولى خطوات الإيمان والتقوى ومحبّة الله والفضيلة. والكنيسة الكبرى، كنيسة الرعيّة، ما هي إلا مجموع هذه الكنائس الصغرى. وبقدر ما تكون كنائسنا البيتيّة أمينة في عيش إيمانها، فإنّها تقدّم رجالاً ونساءً مملوئين بالمحبّة والغَيرة والتقوى، وتالياً تتقوّى كنيسة الله وتُنتج قدّيسين وقدّيسات، وشهوداً،عاملين وعاملات، غيورين وملتزمين في حقلي الله والمجتمع.

kana2esيختبر المؤمنون في الكنيسة شركة الإيمان الواحد، التي تجعلهم جسداً واحداً، أي عائلة واحدة. يُفترض أن يعي المؤمنون قرابتهم الروحيّة بحدّة ورهافة، وأن يعيشوها، إذ إنّ المسيح المُعطى لهم في سرّ الإفخارستيّا، يقيم فيما بينهم رابطةً أقوى من رابطة الدم والقبيلة والعشيرة.
شركة المؤمنين هذه يجب أن تظهر وتُعاش حقيقةً في ما بينهم. وإذا ما خدشت الإساءة هذه الشركة، يطلب الإنجيل الامتناع عن الاقتراب من الكأس المقدّسة، والتوقف عن تقديم الذبيحة، حتّى تعاد هذه الشركة. “وإذا كنتَ تقدِّم قربانك إلى المذبح وتذكّرت هناك أنّ لأخيك شيئاً عليك، فاترك قربانك عند المذبح هناك، واذهب أوّلاًوصالح أخاك، ثمّ تعال وقدِّم قربانك”(متى5/23-24).
من هنا، في التعليم الرعوي، يأتي مفهوم الرعيّة،القائل بمعبدٍ واحد لمجموعةٍ من المؤمنين، الذين يتواجدون في منطقة واحدة. إذ حين يصلّي المؤمن في كنيسة رعيّته لا بدّ له من أن يقيم روابط وعلاقات روحيّة مع أبنائها. التزامه برعيّته يقوّي التزامه تجاه إخوته وأخواته فيها، وتالياً ينمّي حسّه الكنسي بأهميّة الشركة المسيحيّة، ومسؤوليّته تجاه إخوة وأخوات له، ومسؤوليّتهم تجاهه.كما يُفترض أن تصير هذه الخبرة سبيلاً لمدّ الأخوّة لتشمل كلّ البشر.
هذا الحسّ ضعيف في الواقع. ومن أسباب ضعفه عدم ممارسة جميع المؤمنين الصلاة الجماعيّة بفهم، واكتفاء المصلّين منها بتتميم ما يعتبرونه”واجبهم” الديني، وغياب الوعي الروحي بتجسيد هذا الإيمان وهذه الشركة في الحياة اليوميّة.
كما أنّ طغيان روح الطقوسيّة والاحتفالات على حساب العيش الشخصيّ للشركة الروحيّة، المطلوب وجودها بين المؤمن والله، وبينه وبين سائر المؤمنين، وتالياًبين باقي البشر، يساهم في توكيد غياب ذاك الوعي الروحي!
من هنا تبرز أهميّة تشكيل جماعات صغيرة تتألّف من بضع عائلات، تشترك في همّ أو هدف أو خدمة واحدة. هي جماعات صلاة بالدرجة الأولى، ومن ثمّ تلتقي على خدمة إنسانيّة أو روحيّة محدّدة. هؤلاء إذ يجمعهم الهمّ الواحد، المطلوب تجسيده في حياتهم،تتقوّى العلاقات في ما بينهم، وتزداد عمقاً، فيختبرون، إن كانوا مؤسَّسين على صدق عيش البعد الروحي للإنجيل، قرابتهم الروحيّة ويتقوّون بها.
يُعَدّ التشديد على اختبار هذه الشركة في فرقة صغيرة، أهمّ ما جاءت به حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة. قامت الحركة على عيش الشركة الكنسية في ما بين الإخوة، فكانت للكثيرين سبيلاً لاكتشاف الشركة الكنسيّة العامّة. فاختبر الكثيرون، ممّن عاشوا في الحركة، حلاوة الشركة الكنسيّة وجمالها. وشاركوا، كالمسيحيّين الأوائل، في حمل أثقال بعضهم بعضاً. وفهموا فعليّاً، لا نظريّاً، كيف تكون الكنيسة عائلة الله حقّاً.
في زمننا، الذي يُعلي روح الفرديّة على جميع القيم، يعيش الإنسان، ضمن المجتمع، في وحدة قاتلة. له زملاء في العمل أو الدراسة أو الجيرة، لكن أكثر ما يفتقده، هو العلاقة المتينة القلبيّة مع أشخاص آخرين؛العلاقة القائمة على أسس روحيّة، يشعر المرء فيها بالجماعة التي تسنده، ويشارك هو في مساندتها. حتّى الصداقة الأصيلة باتت نادرة في عالمنا المعاصر.يستعمل بعض علماء الاجتماع عبارة “العزلة وسط الجمهور” لكي يصفوا الوحدة،التي يعاني منها الإنسان المعاصر.
في سبعينيّات القرن الماضي،ذكرت جريدة البرافدا الشيوعيّة، في إطار تحرٍّ واسع حول أسباب عودة الروس إلى الكنيسة، بعد بلوغهم سن التقاعد، هذه القصّة.
أُحيلمدير معمل كبير إلى التقاعد، بعد حصوله على التكريم والمكافأة، وعاد ليحيا وحده. كان الطلاق من زوجته قد تمّ قبل تقاعدهبعدّة سنوات، وابناه يعملان في مناطق بعيدة عن سكناه. فبدأ يتردّد على مقهى الحيّ، يقرأ الجريدة، ويرشف القهوة، وعلامات الكآبة والحزن تزداد يوماً فيوماً على وجهه. لاحظه متقاعد مثله، فسأله عن سبب شروده وحزنه، فصارحه بالوحدة التي يعاني. فقال له: “تعال إلى الكنيسة ولن تبقَ وحيداً”. وهذا ماحدث. إذ أحاطه بعض المصلّين بالاهتمام وأقاموا علاقة صداقة معه.
أليس وجود دفء الاهتمام بالشخص ورعايته، هو ما يجذب العديدين إلى بعض الكنائس البروتستانتيّةالصغيرة عدديّاً والناشطة جديداً؟
يطلب الكثيرون هذا الاهتمام من الكنيسة، ويحصرونه بشخص الكاهن، متناسين أنّ محبّتهم لربّهم تُلزِمهم بمحبّة بعضهم أيضاً،وتجسيدها في رعاية حقيقيّة لبعضهم بعضاً. ليس كل شيء مطلوباً من الكاهن وحده. ليست الكنيسة مزرعة شخصيّة له، بل هي كنيسة المسيح وجميع أبنائه. في الكنائس الأرثوذكسيّة، بخاصّة، يستهلك إقامة خدمات الصلوات، في البيوت،وقت الكاهن كلّه.أما الخدمات الرعويّة الاجتماعيّة والإنسانيّة فيؤمّنها المؤمنون.
بات سعي المؤمنين إلى تشكيل جماعات صغيرة، تشترك إلى جانب الإيمان، في همّ واحد،وتسعى إلى التعاون في ما بينها من أجل تحقيقه، أمراً ضرورياً وملحّاً. ما أكثر الحاجات والخدمات المطلوبة، خاصّة في هذا الزمن العصيب!!
أنتَ تذبل إنْ بقيت في همّك، لكنّك تخضوضر وتزهر، إن انضممت إلى إخوة يشاركونك إيّاه،فتعاونت وإيّاهم، بإرشاد أب روحي،إلى جلب الفرح لغيركم. إذ ذاك ستفرحون بمقدار ما تُفْرِحون الآخرين . تختبر آنذاك دفء الشركة، وفرح العطاء.
المطلوب من المؤمنين تشكيل ورشاتصلاة وعمل، تبثّ فرح قيامة المسيح، في هذا العالم المعذّب. ورشات قائمة على الصلاة والتأمّل في كلمة الله، والسعي إلى تجسيدها، في الحياة اليوميّة، وفي المجتمع، الذي يعيشون فيه، وتجسيدها، قبل أيّ شيء آخر، في حياتهم الشخصيّة.
هذه “الكنائس الصغرى”، إن وجدت،ستصير خميرة، لحضورٍ للمسيح أكثر فعاليّة،في حياتنا وعائلاتنا ومجتمعنا.
16 أيار 2016

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share