إلى المجمع «الكبير»

الأب جورج مسّوح Wednesday June 15, 2016 219

لن نخوض، في هذه العجالة، في تفنيد الأسباب والموجبات التي أفقدت “المجمع الأرثوذكسيّ الكبير” صفته المنشودة “الكبير”، بعد إحجام كنائس عدّة عن المشـاركة في التئـامه، ومنهـا كنيستـنا الأرثوذكسيّة الأنطاكيّة.

إنّه لمؤسف حقًّا أن تضيع جهود أكثر من نصف قرن في سبيل التحضير للمجمع الكبير، هذا المجمع الذي كان المؤمنون يلتمسون منه الإجابة عن العديد من التحدّيات المعاصرة، وعن كيفيّة التصدّي للمشكلات التي تعتري العلاقات بين الكنائس الأرثوذكسيّة، وعلاقات الكنيسة الأرثوذكسيّة مع الكنائس الأخرى والعالم.

ليس مصادفةً أن يبدأ الإعداد للمجمع الكبير العام 1961، أي في زمن انعقاد المجمع الفاتيكانيّ الثاني الذي أحدث تغييرات جذريّة في رؤية الكنيسة الكاثوليكيّة لنفسها وللآخرين من أهل الديانات الأخرى، لكن أيضًا في رؤيتها لعلاقاتها بالكنائس المسيحيّة الأخرى. وفي هذا السياق، يقول المطران جورج (خضر): “إنّ الطوائف غير الكاثوليكيّة لا يسعها أن ترى نفسها دون البابويّة انفتاحًا. هذا يعني أنّ سير الكثلكة يضطرّها أيضًا إلى السير. ولا شكّ في أنّ التصلّب العقائديّ لا يمكن أن يحيا طويلاً في جزء من الدنيا المسيحيّة، إذا أخذ بالزوال في أجزاء أخرى. هذا ما يفسّر توازي الفكر بين الكثلكة والبروتستانتيّة والأرثوذكسيّة. إنّ هذا الانفتاح إلى العالم من دواعي لقائها”(١).

لا ريب في أنّ وجه العالم قد تغيّر عبر التاريخ، فمنذ العام 787، تاريخ انعقاد المجمع المسكونيّ السابع، المجمع المسكونيّ الأخير في الكنيسة الأرثوذكسيّة، إلى العام 1916، اندثرت الأمبراطوريّة البيزنطيّة، واعتنقت روسيا وبلاد السلافيّين الأرثوذكسيّة، ووقع الانشقاق الكبير، واحتلّ العثمانيّون القسطنطينيّة، ونشأ العديد من الكنائس الأرثوذكسيّة المستقلّة، ونشأت كنائس جديدة في بلاد الاغتراب غير الأرثوذكسيّة تقليديًّا… فيما بقيت الأنظمة الإداريّة التي ترعى الشؤون الكنسيّة هي ذاتها كما كانت في ظلّ الأمبراطوريّة. فكيف يمكن لقوانين لا تمتّ إلى العقيدة بصلة أن تُعتبر جوهريّة لا يمكن تعديلها؟

كيف يمكن للقانون 28 من قوانين المجمع المسكونيّ الرابع الذي يقول: “إنّ المدينة (القسطنطينيّة) التي صارت جديرة بأن تكون مقرًّا للملك ومجلس الشيوخ يجب أن تعظّم مثل روما القديمة في الشؤون الكنسيّة”، أن يظلّ مرعي الإجراء بعد زوال الأمبراطوريّة؟ فإذا كان موقع القسطنطينيّة مرتبطًا بموقعها كعاصمة للأمبراطوريّة، فلا بدّ من أن يتغيّر موقعها الكنسيّ بعد زوال الأمبراطوريّة. هذا على سبيل المثال.

الكنيسة الأرثوذكسيّة في حاجة ماسّة إلى النظر في العديد من المسائل قبل طرحها على المجمع الكبير، كيلا يتحوّل هذا المجمع من مناسبة لتمتين الوحدة بين الكنائس الأرثوذكسيّة إلى عامل تفجير يقسّم ما هو موحّد أصلاً. فمسألة الجغرافيّة الحديثة، وتقسيم الحدود بين الكنائس المستقلّة، واحترام القاعدة الكنائسانيّة المنتهكة اليوم في ما يختصّ بالكنائس الناشئة في الاغتراب، و”البابويّة” الباطنيّة الممارَسة في الأرثوذكسيّة مع عداء العقيدة الكنسيّة الأرثوذكسيّة للبابويّة وممارساتها! تضاف إلى ذلك العلاقات المسكونيّة مع الكنائس غير الأرثوذكسيّة إلى حدّ تكفير بعض الأرثوذكس للأرثوذكس العاملين في هذا الميدان، كلّ هذا وسواه من المواضيع لم يصل الأرثوذكس بعد في ما بينهم إلى اتّفاق على قاعدة الإيمان والروح القدس، وما يقول الروح للكنائس.

كتبتُ منذ عامين، لمناسبة عيد القدّيسين بطرس وبولس، ما أجده مناسبًا لخاتمة عجالتي هذه: “بطرس أحبّ بولس، وبولس أحبّ بطرس. أحبّ أحدهما الآخر، رغم خلافهما، لأنّهما أحبّا الكنيسة، وقدّم كلّ منهما خدمتها على مصلحته الشخصيّة. أحبّ أحدهما الآخر، لأنّهما أدركا أنّهما عضوان في جسد واحد رأسه المسيح، ولأنّهما أدركا أنّ سمة الجسد هي التنوّع، فلكلّ عضو وظيفة، ولا يمكن لعضو أن ينفي أهمّيّة الآخر. أمّا نجاح الجسد الواحد فينجم عن أداء كلّ عضو دوره بالتناغم مع الأعضاء الأخرى، ومع الرأس.

اختلف بطرس وبولس العظيمان، لكنّ كلاًّ منهما لم يرمِ الحرم في وجه الآخر، ولم يقاطعه. بل أصغى كلّ منهما إلى الانتقادات المتبادلة بينهما بتواضع كبير، وتنازلا حيث ينبغي التنازل حفاظًا على وحدة الكنيسة الناشئة. هاجسهما كان التبشير بيسوع المسيح، وليس بأفكارهما البتّة”.

ألهم اللَّه آباءنا وسدّد خطاهم إلى كلّ عمل صالح. رجاؤنا راسخ بالروح القدس العامل فيهم.

مجلة النور، العدد الرابع 2016، ص 170-171

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share