” ابناءُ اللهِ وحريَتُهُم في الكنيسَةِ ” – المطران انطوني (بلوم)

mjoa Saturday June 25, 2016 90

” ابناءُ اللهِ وحريَتُهُم في الكنيسَةِ ” – المطران انطوني (بلوم)

الذينَ سَمِعوني من قبل يعرفونَ والذينَ يسمَعونني اليوم سيكتشفون بسهولةٍ انني لستُ بلاهوتيّ. انا مسيحيٌ يَسعى الى أن يَفهَمَ ايمانَهُ. هَدَفي ليسَ ان اعطيَّ محاضرةً لاهوتيةً ولكن أَن أؤمّنَ لَكُم مجالاً لفهمِ معنى “الحرية” وارتباطِها ب”أبناءِ الله” وتفسيرِ جملة “وبالروح القدس”.

نعيشُ في عالمٍ ساقِط شوَّهَ كلَ معرفتنِا بالرب، وكل حياتِنا و تفكيرِنا. آنذاك، لم نَتَعَجّب مِن إساءَةِ وتحريفِ موضوعِ الحريّة فعلى سبيلِ المثالِ، عندما نسأَلُ عن مفهوم الحريّةِ يكونُ الجوابُ غالباً هو عينُه أن الحريّةَ هي المقدِرَةُ على إتخاذِ القرارات من دونِ عوائقَ.

هذه حريّةُ الشكِ وعَدَمِ الفرض، التي حلّلها ونَقَضَها “Descartes” وبعدهُ “Gabriel Marcel”، هي نتيجةُ حالتِنا الساقطة. ان التردُّدَ في الاختيارِ بين اللهِ وقوى الشر، بينَ الحياةِ والموتِ، بين الخيرِ والشرِّ يشيرُ الى مَرَضٍ عميقٍ خلَّفَتهُ طبيعتُنا الساقِطَةُ.

المطران انطوني بلوم المقطعُ الذي يُقرأُ عشيّةَ عيدِ الميلادِ من نبؤَةِ اشعياءَ، والمأخوذُ عن النسخَةِ اليونانية، يشيرُ الى أن الصبيَّ، مخلّصَ العالَمِ، إختارَ الخيرَ قبلَ تمييزِهِ عن الشرّ. هذهِ حالةُ الكائِنِ الطبيعيّ والصحيّ الذي لا يَتَردَدُ في اختيارِ الحياةِ، الخيرِ واللهِ مقابِلَ الموتِ ،الشر والهلاك .لنضَع جانبًا هذِهِ الفكرةَ الخاطئةَ عن حريّةِ الاختيار، هذهِ الحريةُ التي تأثرت بحالتِنا الساقطة، تعكسُ المعنى الحقيقيّ للحريةِ الذي اراده الله وفهمهُ الآباءُ القديسونَ ومعلمو الكنيسةِ خلالَ العصورِ. أريدُ ان اتكَلَمَ باختصارٍ عن معنى ثلاثِ كلماتٍ بلغاتٍ مختلقَةٍ تنقلُ الينا مفهومَ الحريّة. الاولى هي كلمةٌ لاتينية “Libertas” والتي تشتقُ منها الفرنسيّةُ والاسبانيّةُ والايطاليّةُ. الكلمة الثانية هي “Freedom”(Freiheit) والتي تشتَقُ منها اللغةُ الالمانية. واخيرا الكلمة الروسية “Svoboda”.

مَرَرنا عبرَ ثوراتٍ عدةٍ، بدءًا  من الثورةِ الفرنسيّة سنة 1789 حتى الثورة الصناعيّة والاجتماعيّة في القرن الثامنِ عَشَر والتاسعِ عَشَر. نفكّرُ في الحرية في النطاق الاجتماعيّ والسياسيّ والمدني. وهي أن يعيشَ الإنسانُ من دونِ أي إضطهادٍ أو تمييزٍ في ما يعتَقدُ ويؤمِنُ بِهِ، بمعنى أن تضبُطَ عِلاقَتَهُ بالآخر. للكلمة اللاتينية أهميّة في القانونِ الروماني. فهي تَعني أن يولَدَ الإنسانُ حراً في بيتٍ حرّ وينتمي إلى عائلةٍ ومجتمعٍ معيَّن، الحريةُ شرطٌ أساسي يعطى في البداية كهديّة قيّمة، ولا تستمرُ الحريةُ إلا إذا بقيّ الحرُ حراً. إذا أدرَكَ الإنسانُ معنى الحريّة فعندَ ذاك يبقى واعياً ومسؤولاً ومتيقظاً لا يؤخَذُ بالخوفِ او الكرهِ أو الشهوات التي تسَيطِر عليه.

ان حريَةَ الانسانِ المثاليّةَ هي تلك التي تكون تجاهَ الله ، تجاهَ الآخر، الحرية تجاهَ الذات تَقِفُ وراءَ الكلمات التالية:النظامُ، الطاعةُ، القوةُ والسلطةُ. أريدُ أن اتعمّقَ اكثَرَ بهذِهِ الفكرة. هذه الكلمات المذكورة  اكتَسَبَت معنى مشوهاً بسَببِ عالمنا الساقط. “النظامُ” هو حالةُ الانضباط تجاهَ المرشِد والمعلّم. توجدُ حالةُ ثِقَةٍ عندما نسلّم انفسَنا اليه، ارادَتُنا وقلبنا، طريقةُ حياتنا، لكي نَتَجدّد على صورة الذي  هو اكبَرُ مِن مرشدنا، على صورة الذي يقولُ انه هو سيدُنا والهُنا الوحيد. لذلك، فإن الثِقَةَ هي البداية. القديس طوماس أكويناس يقولُ ان كنا نريدُ أن نتعلّم يجبُ أولا أن نَثِقَ بمعلّمِنا. هذه العِلاقةُ  التي بينَ المعلّم والتلميذ هي علاقة طاعة، اكانَ المعلِمُ هو الابُ الروحي او يسوع المسيح، أو كلمةُ الله التي تحدّثنا في الكتاب المقدّس ،او صوت الروح القدس في داخلنا.

عادةً، توضَعُ الطاعة في خانَةِ الاخضاعِ والرضوخِ. يعتبرها البعضُ اهانةً. كلمة “طاعة” تأتي من اللاتيني “Ob Audire” ،والتي تعني “الاصغاءَ”،”الاصغاءَ باهتمامٍ”،”الاصغاءَ بكل الحواس” لكي يتعلَمَ الشخصُ ما يجهلُهُ، لكي يبني مفهومَه الشخصي ويوّسع قلبَهُ ونظَرَهُ، ويقويّ ارادَتَهُ ويروّض اهواءَه، وبالتالي يستنيرُ بقوةِ الله الحيّ.هذا كلّه سوفَ يحصل عندما يسلّم الانسانُ حياته لهذا المسؤول الذي سيكون بمثابة زُجاجةٍ ينقُل بها الينا اشعاعَ الله.

تقتضي الطاعةُ أن نصغيّ بتمعّن الى الكلمَةِ التي تنقُل الينا الحقيقةَ ونتعّمقُ في مضمونِها الغنيّ المليء بالخبرات. بهذا المعنى، يمكننا أن نقولَ ،مِن خلال الكتاب المقدّس، ان المسيحَ اطاعَ الآب.لم يكُن عبداً بل كان ابناً  لكونِهِ الكلمةَ نفسَهُ، رأى عملَ الآب. اطاع لدرجةِ أن كل ما للآب كان للابن و ظهر عبرَ الابن.

من جهة التلميذ، الطاعةُ تعني الانفتاح، الشفافية، التسليم والمرونة. من جهة المعلّم، التعليم ممكنٌ أن يكونَ صارماً في بعض الاحيان ،ذلك من خلال القول والفعل، والذي يكسِرُ مشيئةَ التلميذ، الذي يفصله عن انسانِهِ القديم، ويجعَلُهُ أفضلَ مِما كان عليه ولكن بأقل مما هو مزمع أن يكونَ لأن الجميعَ مدعوون الى الكمال. لذلك يجب علينا أن نرفض الفوضى ومفهوم حريتنا الخاطئة، ردّات فعل مشاعرنا و قلبنا، ومشيئتنا الخاصة. سوف يُطلب الينا أن نقومَ بأمورٍ لا نفهَمُها وبهذا الفعل سنفهَمُ الأمورَ بعمقٍ. قالَ المسيح “من يحبني، يحفَظُ وصاياي”. لم يقل ان الانسانَ سيبدأُ بنظرة لاهوتيةٍ او خبرات ولكن الحياةُ تبدأ بفعل معيّن يأتيه الانسان. ان كان هذا الامر من المسيح أو من الروح القدس أو من انسان، فهو موجه لانسانِنا القديم. انه الموت من أجل أن نعيش، هذا أمرٌ غريب وغير مفهوم بالنسبة الى غير المؤمن.

تصبحُ الطاعةُ شفاءً عندما يقبل انساني القديم ما يعتبره غريباً وغير معقول. لأن طاعة انسان ،طاعة تعليم، يجب أن تجعلنا نثور على انفسنا لكي نقبل مشيئة الله. هي حقل تدريب لكي نُنَفِذَ وصايا الانجيل التي تعتَبَر جنوناً بالنسبة الى العالم ولكنها حكمة وخلاص للمؤمنين.

من قَبل استعملت كلمة “صارم”،للحديث عن المعلّم. هناك مقالٌ منذ ايام المسيحيين الاوائل بعنوان “The SheperdHermas”، رحمة الله متناقضة مع حبِنا للراحة. نلمُسُ هنا غموضا معينا ناتجا عن حالتنا الساقطة التي لا يجب أن تفهم من ناحية السلطة، لا من ناحية “Potestas”ولكن من ناحية ال”Auctoritas”. انني أستعمل كلمات لاتينية لانها ذات معان تقنية بمعظم حواراتنا الكنسية. “Potestas” تعني أن الواحد لديه امكانية الفرض. “Auctoritas” من “Augeo”، تعني الحسم. لذلك علاقة الاب الروحي والابن الروحي هي من دون استثناء علاقة الله مع مخلوقاته،كل العلاقات بين اعضاء الكنيسة من الاعلى الى الاسفل، لا يمكنها أن تكون علاقة قوة لكن فقط علاقة سلطة.

الاقتناع هو ما يجعلُنا نقبل حقيقة الانجيل وليس تدخلاً الهيا. “ألم يكن قلبنا ملتهبا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب”. ولكن هذا يقتضي علاقة محبة متبادلة حيث المرشد يكون مملوءا حبا لكي يقدم نفسه للتلميذ والتلميذ يكون منفتح بالكلية ومسلّماً حياته للمرشد لكي يقبل كل ما يطلبه منه الله.

في هذا النطاق اريد أن أتكلم باختصار عن التواضع. كلمة تواضع(Humility) تأتي من الكلمة اللاتنية “Humus” اي الارض الخصبة. الصورة واضحة. الارض دائما موجودة لكنها دائما منسية وغير مكترث بها ولكنها لا تخيبنا. الارض موجودة للانسان، لله وللوحوش. الارض تستطيع أن تتلقى المطر،الشمس،البذور والقمامة. تتقبل القمامة، تجعلها منها وتنمو من خلالها. تستقبل البذور وتعطيها حياة جديدة. تتجدّد من خلال المطر والشمس وتعطي ثماراُ. هذا معنى التواضع وموقف التلميذ من معلمه الذي يحبه. وحب المعلم،بالرغم من انه صارم وبصرف النظر عن مدى قسوته، هو عمل حب يعطي حياة ابدية. هناك مقولة لGabriel Marcel تقول” لكي تقول لانسان “أنا احبك”، كأنك تقول له: أنت لن تموت أبدا”.

هذا يقودني الى اعطاء ملاحظة عن كلمة “الحرية”(Freiheit)(Freedom). الكلمة الانكليزية كما والالمانية تأتيان من الكلمة السنسكريتية “Priya” التي تعني: “أن تُحِب” أو “أن تُحَب” (To be Loved) أو “الحبيب”. الشخص الحر هو الشخص الذي يُحَب(who is loved)والذي يُحِب(loves).تذكر كل مقاطع العهد القديم والجديد التي تتحدث عن حب الله لمخلوقاته، سوف تفهم ماذا تعني كلمة “الحرية”. هي علاقة بين الله وخليقته، حب كامل و نهائي بحيث لا يمكن لاي شيء أن يلغيه.حب بدأ عند الخلق،بلغ ذروته على الصليب وسيقودنا نحو الحياة الابدية. فقط داخل سر ال”Libertas”، حرية التلمذة، الطاعة، السلطة، الحرية بمفهومها الصحيح، يمكننا أن نكون على حقيقتنا. هذه فقط يمكن أن تتحقق من خلال المسيح والروح القدس.

فقط عندما نتّحد بالمسيح يمكننا أن نفهم معنى أن نكون اولاد الله. عندما نصبحُ واحدا مع الابن من خلال الايمان،المعمودية،القوة الالهية، نصبح حقا أولاد الاله الحي. كله يفعل بنا من خلال الروح القدس المعطى لكل الكنيسة،كما رأينا في انجيل يوحنا 20، الذي يثبّتها و يجعلها تنمو في المسيح.الروح هو روح الابن،روح الحقيقة وروح الحب.

في العالم الذي نعيش فيه، يجب أن نتذكر دوما أن نتحد مع كامل المسيح وليس فقط بقيامته أو بصعوده و جلوسه عن يمين الآب. الروح الذي قاد المسيح،بعد معموديته في نهر الاردن، الى البرية للصوم والتجربة ولقهر الشيطان، والذي، بطريقة غامضة، هجره عندما كان على الصليب وجعله يبكي ويقول:”الهي الهي لماذا تركتني؟”، هو نفسه الذي يقودنا في كل خطواتنا اذا قبلنا المسيح كطريق نحو البرية لنواجه أهواءنا. يقودنا الى عالم الانسان لكي نواجه الحب، الحقيقة، الايمان حيث خسر الانسان الايمان بنفسه والرجاء. يجعلنا نشارك في اسرار جبل الزيتون والصليب حيث تخلى عن طبيعتة الانسانية لكي يخلص البشرية.

ترجمة : أسرة الإستعداديين  – مركز جبل لبنان

0 Shares
0 Shares
Tweet
Share