الإيمان المسيحيّ – المطران جاورجيوس

نشرة رعيتي Friday March 16, 2018 616

هناك بعض الحقائق الأساسيّة في الإيمان المسيحيّ إذا نسيناها نكون متهوّرين. سأحاول أن أبيّن هنا بعض الأركان أو الأسس. الأساس الأوّل هو الإيمان الذي قال عنه ربّنا يسوع «إن كنتَ تستطيع أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن».

الإيمان كلمة عربيّة تعني أمرين: تعني الأمانة أي كما يسلّم أحدهم شيئًا ثمينًا لشخص ما. والمؤمن هو الأمين الذي تسلّم عقيدة وتسلّم سلوكًا عليه أن يحافظ عليهما. إذًا عندما نتكلّم على المؤمن نعي أنّه إنسان يحافظ على وديعة تسلّمها بدون تفريط ويؤدّي عنها الحساب، والحساب يؤدّى طبعًا إلى الربّ.

والإيمان يعني أيضًا المبنى أو الحصن، مكان لا يمكن أن يدخله العدو. في أوقات الكوارث يحتمي الناس إلى ملاجئ حتّى يقوا أنفسهم من هجمات العدو. فالمؤمن تاليًا هو من يعتبر أنّ له حصنًا هو الربّ. المؤمن إنسان ثابت لا تزعزعه تقلّبات الدهر لأنّه مبنيّ على أساس. المؤمن إنسان قلق يتعذّب مثل كلّ الناس لأنّه من لحم ودم وهو ناقص، ويعرف أنّه إذا تسلّم هذه الوديعة إنّما له مأمن، ويعرف أين مركز الله ويريد أن يبقى معه إلى اليوم الأخير. ولذلك يبقى حيث هو مؤسَّسًا على المسيح ومؤسَّسًا تاليًا على الكنيسة. المسيح اليوم هو منظور بالكنيسة نتذوّقه عندما نجتمع حول القرابين المقدّسة. المسيح يظهر لنا اليوم بشكل خفيّ هو جسده ودمه.

الشيء الثاني الذي نستنتجه هو أنّ الإيمان يغذّي الإنسان عندما يكون مع الله ويتوجّه إلى الله بالصلاة. لذلك لن أصدّق أبدًا أنّ هناك إنسانًا مؤمنًا لا يصلّي. الإنسان استلم إيمانه بالنعمة من الكنيسة ولكنّه يغذيه بالصلاة وبالكلمة الإلهيّة التي يقرأها في الإنجيل. مَن يريد أن يعيش في جوّ الله يشبه الصديق الذي يغذّي الصداقة بالاتّصالات والزيارات، كذلك المؤمن هو من يغذّي إيمانه حتّى يستمرّ.

من السهل جدًّا أن يغيب الله عن نظرنا وعن قلبنا لأنّنا ندخل إلى قلوبنا أشياء غريبة عنه أو ندخل عدوّه. قضيّتنا مع الله هي قضيّة محبّة، قضيّة شوق. من هنا دعاؤنا إلى الربّ أن يجرحنا بشوقه. وقد قيل إنّ من جرحه يسوع جرحه لا يُشفى، يبقى يحبّ وعنده شوق دائم. يبقى الجرح مفتوحًا ويبقى الشوق من طريق الصلاة وقراءة الإنجيل.

نبتلع الصلاة، الله يُبتَلع. ولهذا قال: «كلوا، هذا هو جسدي». أظهر الله لنا نفسه بشكل خبز، لا لأنّه هو خبز، لكن لأنّنا من طريق أكل هذا الخبز نفهم أنّنا نأكل الله ذاته أي ندخله في كياننا. كذلك كشف الربّ يسوع نفسه من طريق الكأس المشتركة إذ قال اشربوا منها كلّكم.

هناك أمر أساس في الصلاة أنّ من يصلّي يعود إلى الطمأنينة، يعود إلى السماء. تنتفض نفسه من الخطيئة وتصير مبرّرة ويرجع الهدوء إليه. الهدوء الحقيقيّ لا يأتي إلاّ من طريق الصلاة فيتمكّن من محاربة الأهواء. المؤمن هو الإنسان الذي يقف أمام التجربة ويقاومها. يصير الإنسان المسيحيّ سيّدًا على عينيه وعلى أذنيه ويديه ورجليه. ويبقى الله سيّدًا على النفس بالإيمان أوّلاً وبالصلاة ثانيًا وبترك شهوات النفس وميولها. هكذا نحاول أن نحيا حياة مسيحيّة.

المطران جاورجيوس

نشرة رعيتي

18 آذار 2018

73 Shares
73 Shares
Tweet
Share73