أتريد أن تبرأ؟

نشرة رعيتي Wednesday April 25, 2018 741

في إنجيل اليوم إنسان ابتُلِي بمصيبتين: مرض مزمن منذ ثمان وثلاثين سنة، وهذا بالضبط الزمان الذي قضاه بنو إسرائيل في برّيّة سيناء قبل أن يصلوا إلى أرض الميعاد. وكأنّ الكتاب أراد أن يقول إنّ يسوع هو أرض الميعاد وإنّ الإنسان يتيه ويبقى في الحيرة وفي طلبات كثيرة إلى أن يأتي السيّد.

ومصيبته الثانية أنّه كان وحيدًا لم يعطف عليه أحد حتّى يأتي ويلقيه في البركة، لأنّ أوّل الداخلين إلى البركة فقط كان يُشفى. لم يكن له أصدقاء، ولعلّ أكبر مصيبة في الوجود أن يكون الإنسان وحده في هذا العالم بلا عطف ولا حنوّ.

يأتي المخلّص ويسأله: أتريد أن تبرأ؟ فيجيب: ليس لي من يلقيني في البركة. كان في إمكان السيّد أن يلقيه في البركة، ولكنّ البركة كانت شيئًا عتيقًا، رتيبًا اعتاده الناس، وهي تخصّ العهد القديم أو تخصّ مخلوقًا، فإنّ ملاكًا كان يحرّكها. ما أراد يسوع أن يبقى هذا الإنسان مدينًا لترتيبات بشريّة، فالبشر ينظّمون حياتهم حسب مصالحهم، ولكنّ يسوع أراد أن يجعله يحسّ بأنّه صار معافى فلا عجز في ما بعد ولا انقطاع ولا جفاف، ولكنّ المخلّص نفسه يحبّه ويأخذه مستغنيًا عن البركة وعن الملاك وعن العهد القديم وعن ترتيبات الناس. يسوع يضمّه إلى صدره ويقول له: اذهب فرّ كالغزالة وامشِ فقد حان وقت الحياة، وما لك أن تفتّش عن العتيق وعن العادات التي رتّبها اليهود، وعن العادات التي رتّبها الملاك. تعالَ اليّ فأنا مخلّصك، أنت الآن حبيبي أيّها المريض المخلّع المعدوم. وكانت الأعجوبة.

لكن يبدو أنّ هناك شرطًا في هذه الحادثة: أتريد أن تبرأ؟ أتريد أن تشفى؟ فأنا لن أشفيك رغمًا عنك. هذه قاعدة من قواعد الطبّ الحديث، إذ يقول الأطبّاء إنّ الأمر الأساس في الشفاء أن يريد المريض أن يشفى، أن يساعد الطبيب. أتريد أن تدخل الحياة من جديد؟ تعالَ فها أنا معطيك الحياة. هذه الإرادة، إرادة الحياة مع الله يجب أن نعبّر عنها وأن نقولها. الأشياء الفاسدة التي دخلت إلينا لا بدّ لنا من أن نرميها جانبًا. ينبغي أن نريد الطيّب، أن نحبّه، أن نحبّ الذي يحبّنا، أن نعود إلى الله لأنّه يأخذنا برحمته.

لاحظوا أنّ هذا المريض أسلم ذاته إلى الله بلا قيد وبلا شرط. لم يقل له: بعد أن أشفى ماذا تعطيني؟ أتجعلني تلميذًا لك؟ لم يقل شيئًا مثل هذا. قال فقط: أنا مريض، أنا عاجز، أنا أخطأت. ها أنذا كما أنا. خذني كما أنا، في عجزي، في مرضي، في شقائي، في خطيئتي، وأنت يسوع قادر على مسح كلّ خطيئة وأنت تستطيع أن تكفكف الدموع وأن ترفعني إليك وإلى نورك وأُصبح إنسانًا جديدًا.

فيما نحن نكمل الفصح يجدر بنا أن نعرف هذا وأن نفهم أيضًا أنّ الكنيسة مكمّلة يسوع، هي التي تشفي وأنّ لنا فيها موارد شفاء. الكنيسة مستشفى فيها كلّ شيء، فيها دواء لكلّ مريض وهي تعرف أمراض الناس وتعرف ما يحتاجون ليشفوا، لأنّ الكنيسة أمّنا ولأنّها تحبّنا والأبناء يرتمون في أحضان الأمّ باللطف والوداعة.

المطران جاورجيوس

56 Shares
56 Shares
Tweet
Share56